أثر المكان وأسرار الذات

الاثنين 2015/08/24

لا تفسّر العلاقة مع المكان بغير ما تقترحه عليك الذات من أدوات ومراجع، وما تؤكد عليه من طقوس وآليات بعينها، ولا تقوم العلاقة الحميمية مع مكان بعينه دون إشراف خبايا الذات عليها، بكل موروثاتها وما حملت. فهي التي تحدد وترسم أشكال التواصل المرغوب في محيطها. فهي التي ترى الحديقة والشارع والساحة والزقاق عبر زوايا معدة سلفا للنظر، على نحو محدد. فتأخذ منها ما تودّ أن تعثر عليه هناك. وتسقط عليها ما تحمله من تصورات، ومن مسرات وخيبات كذلك.

أيكون المكان، إن أصاب الرأي أعلاه، هو الناتج الفعلي لما تفتش عنه الأنا وترغب فيه. هو الفضاء الذي تخلقه على صورتها وتسبح فيه. تعده، بعبارة أدق، كما ينبغي له أن يعدّ وأن يكون: مرآتها العليا. تحدق على الدوام فيها لترى نفسها؟

ألا تؤكد السياقات الغرائبية التي تعرفها النفس البشرية وتمر بها على شيء من تلك الفرضية المثيرة: المكان هو الأنا، أشكال تقلباتها ولا حدود لتجلياتها؟ ألا ترى في الحديقة اليوم، والحديقة ثابتة منذ دهر في مكانها، ما لم تعثر عليه في الأمس بين أشجارها: فتنة دفينة؟ ألا يوحي لك الشارع في لحظة بعينها بما لم تدركه من قبل: مشهدا من رواية أو من فيلم أحببته؟. وكذلك الزقاق والساحات والبنايات العتيقة على جوانب الأرصفة. ألا تمثل في تلك اللحظة المحددة ما لم تكتشفه من قبل فيها: نداء حب خاسر. أو رغبة في الرحيل، مثلا؟

صنيعة الأنا هو المكان، والحال هذه. صورتها حين تسقط في الكآبة حينا. أو حين تصعد سلم ألفرح أحيانا أخرى. لتكون الحديقة خلابة وملهمة حين تحب. وبائسة، وربما قبيحة أيضا، حين تفقد من تحب. ولكن الحقيقة السيكولوجية هذه لا تقول كل الحقيقة ولا تحيط بكل المشهد المثير، فهناك المكان في مقابل الأنا.

وهناك تأثيراته البليغة، مرئية أو غير مرئية كانت. هناك طاقته الفذة على خلق سياق بعينه يقود العلاقة مع المحيط الخارجي للأنا ويحدد عاداتها وطرائق عيشها. فماذا تفعل تلك الأنا، وهي متلقية هنا، لو أن الحديقة -نتيجة أمر إداري أو طبيعي ما- أزيلت من مكانها المعتاد وغابت بأشجارها وأبوابها ومقاعدها وطيورها وبحيرتها الصغيرة؟ وكيف ستتعامل الأنا مع العمران الذي يبدل مخارج الشوارع ومداخلها ويطيح بأرصفتها. الأرصفة التي تمنح العلاقة مع الشارع شيئا من الألفة؟ وهي أسئلة يمكن تعميمها بالطبع على أحوال العلاقة مع الساحات والأبنية، إن زالت. أو الأزقة إن تم إغلاقها. ناهيك عن الأثر الأليم الذي تخلفه المقاهي والمحال العتيقة حين تهدم أو تحال إلى مطاعم لبيع الأكل السريع؟

الأنا: هي المكان هنا. ناتجه الحتمي وأقصى ما يدل عليه. والمكان هو الأنا في الوقت عينه. مخلوقها الأثير والأهم. قد تبدو العلاقة بينهما غامضة ومبهمة ولا يصح تفسيرها على عجل، إن كان هناك من منطق يصلح لتفسيرها أصلا. وهي ذاك فعلا: غامضة بقدر قدرتها على الإلهام. وملهمة بقدر طاقتها على إيجاد أسباب عظيمة للغموض. ولعل هذه المفارقة المثيرة والشهية هي التي تمنح الفنون جميعها قدرا من اللذة والحضور الرفيع، فما لا يفسر: يثير. وما لا يقبض بسهولة ويسر عليه: يلهم. والمكان. أثر المكان. علاقة الأنا بالمكان. هي كل ذاك حين يلتقي. وحين يتابع رحلته في هذا الفضاء الوجودي الذي لا يقول الكثير عن نفسه وأسراره. عن أناه.

كاتب من فلسطين مقيم في فيينا

14