أثر الموريسكيين في تونس: صنائع وعادات وموسيقى

طرد المسلمين من أسبانيا الذي بدأ عام 1609، وعرف أوجه عام 1614، خلّف نتائج سياسية وتاريخية ودينية عميقة على المنطقة، لكنه في الوقت ذاته أفرز انتعاشة اجتماعية واقتصادية ملحوظة على الأقطار التي استقبلت الفارين من محاكم التفتيش، الذين عرفوا بالموريسكيين.
الاثنين 2015/06/01
فنون المعماريين الموريسكيين بطابعها الأندلسي ما زالت تزين مدن تونس

استقبلت تونس أعدادا كبيرة من الموريسكيين، وصلت حسب بعض المصادر التاريخية إلى ما يناهز 100 ألف موريسكي. جمهور الأندلسيين الجدد المنفيين في تونس حسب المؤرخ أبو العباس أحمد المقري تجاوز 100 ألف شخص، كما أشار الباحث الأسباني مرثيدس غارثيا أرينال، في كتاب المهاجرون الأندلسيون، إلى أن تونس استقبلت خلال العام 1614 فقط أكثر من 80 ألف موريسكي، وقدرت سجلات الموانئ الأسبانية أن الذين أطردوا من أسبانيا بين عامي 1609 و1614 فاق عددهم 300 ألف مواطن. ولا شك في أن هذه الأعداد، وبصرف النظر عن تفاوتها حسب المصادر، تمثل حدثا اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا ونقلة في بلد صغير مثل تونس.

يشار إلى تونس كانت تعيش آنذاك وضعا سياسيا واقتصاديا موسوما بالصعوبة جراء قرن من الحروب والمجاعات (موجة الهجرة الأندلسية إلى تونس جاءت بعد فترة قصيرة من السيطرة العثمانية على البلاد عام 1574). لذلك كان الأثر الموريسكي ملحوظا، وطال العديد من الأوجه؛ في العمران والحرف والفلاحة والملابس والمأكولات وغيرها من وجوه التأثير والتثاقف.

الحضور الأندلسي في تونس طبع زمان البلاد ومكانها، بتأثيراته الكبيرة، تأثيرات تجلت في النسيج المجتمعي التونسي، رغم حرص العائلات الموريسكية في البدء على التقوقع (بالمعنى الجماعي)، لكن بصمة الحضور سرعان ما بدت في العمران والزراعة كما في الحرف والمأكولات والموسيقى.

الموريسكيون خلقوا حركية اجتماعية واقتصادية في تونس طبعت القرن السابع عشر واستمرت نتائجها إلى اليوم

العائلات الأندلسية الوافدة على تونس، فضلت الاستقرار في شمال البلاد، ولم تلج عميقا في دواخلها، وهو خيار يمكن تبريره ببحثهم عمّا يشبه المعطيات الجغرافية الأسبانية وهو ما يتيح لهم ممارسة عاداتهم وغراساتهم التي أتقنوها منذ عام 711 تاريخ الفتح الإسلامي للأندلس.

وضع البلاد التونسية المتأزم، مثلما أشرنا إلى ذلك، وحرص حاكم تونس، عثمان داي، آنذاك على استقبال الأندلسيين والاستفادة من خبراتهم ومعارفهم فضلا عن التعاطف السياسي والأهلي المترتب عن الموقف الديني من صدمة سقوط الأندلس، عوامل تضافرت لتسهل حضور الموريسكيين في تونس.

وتذكر المصادر التاريخية أن عثمان داي أمر بعدم تحصيل رسوم على السفن التي تجلب الموريسكيين إلى تونس، ومتّعهم بإعفاء من الضرائب والمكوس ووفر لهم حماية رسمية، وطلب من سكان العاصمة استضافة القادمين من أسبانيا وفتحت لهم أبواب المساجد، ويذكر أن أبا الغيث القشاش، مسؤول الأوقاف في الإيالة التونسية يومئذ قال “لو تكلمت جدران المساجد لنطقت بسعادتها لإيواء من هُجّروا وطُردوا في سبيل دينهم” ودعم أبو الغيث تعليم القادمين الجدد شعائر الإسلام باللغة الأسبانية لمن لا يتقن اللغة العربية.

وأسس الأندلسيون مدنا وقرى عديدة في تونس، توزعت على مناطق حوض نهر مجردة والمناطق المحيطة بالعاصمة، والسهول الشمالية الموجودة على الطريق بين تونس وبنزرت، والسهول الشمالية الموجودة بين تونس ومدينة نابل، وأخيرا منطقة زغوان بجوار الجبل الذي يوفر الماء لتونس العاصمة.

في المجال الفلاحي وظف الأندلسيون خبراتهم وطوّروا تقنيات جديدة في الري وحفروا الآبار وجلبوا النواعير التي تدار بالرياح
وظهرت مدن قلعة الأندلس وقرمبالية ورأس الجبل وسليمان ورفراف وغار الملح والعالية ونيانو وخاصة تستور، وكانت تحفل بخصائص معمارية تنهل من المعين العمراني والهندسي الأسباني. وتميز الأندلسيون ببناء المساجد التي تسترجع العمارة الأندلسية في صوامعها وهندسة محاريبها وزخرفتها.

أسهم الموريسكيون في ظهور حرفٍ عديدة أشهرها صناعة الشاشية وهي نسخة من الطاقية الطليطلية (التي أصبحت لاحقا من المكونات الرئيسية للزيّ التونسي وتغلبت على الطربوش التركي) وشاعت صناعتها وأنشئت لها الأسواق في المدن الكبرى (سوق الشواشين في تونس ما زال قائما إلى اليوم).

وقد شجع عثمان داي صناعة الشاشية لما وفرته من حركية اقتصادية تبعا لأنها حرّكت أنشطة اقتصادية عديدة في البلاد. وظهرت صناعات أخرى متنوعة برع فيها الأندلسيون مثل صناعة الخزف والجليز والقرمود.

في المجال الفلاحي وظف الأندلسيون خبراتهم وطوّروا تقنيات جديدة في الري وحفروا الآبار وجلبوا النواعير التي تدار بالرياح وظهرت أشكال جديدة من العربات المجرورة بالدواب (تعرف في المنطوق المحلي التونسي بالكرّيطة)، وشهدت تونس نشأة زراعات غير مألوفة مثل القوارص والعنب وغيرها. وقام الأندلسيون بغراسة الزياتين على الطريقة الأسبانية. وظهرت زراعات الطماطم والبطاطا وبعض أنواع الفلفل والتوابل وغيرها.

ثقافيا وفنيا، أسهم الأندلسيون في بروز أنماط جديدة من الموسيقى تعرف بالموشحات الأندلسية أو المالوف، وهي ضروب من الموسيقى الشائعة أيضا في المغرب والجزائر، واشتهرت مدينة تستور بهذا الغرض الموسيقي وعرفت بمدينة الموشحات الأندلسية ولا تزال تحتضن مهرجانا سنويا يحتفي بهذا النمط من الموسيقى.

الأثر الفني يحيلنا إلى أسماء العائلات الأندلسية التي وصلت إلى تونس، حيث حافظ الأندلسيون على ألقابهم كما تنطق في الأندلس

ويحيلنا الأثر الفني إلى أسماء العائلات الأندلسية التي وصلت إلى تونس، حيث حافظ الأندلسيون على ألقابهم كما تنطق في الأندلس ومن العائلات التي استوطنت منطقة ضفاف وادي مجردة (تستور وتبرسق وطبربة وغيرها) عائلات الجورشي، ماركو، الفرصادو، كرسيتو، نبارو، البرزون، مانية، ابن مارية، ديلو، طرشون، حربون، والإطلاع على هذه الألقاب كاف لتبيّن الملمـح الأندلسي والطابع الأسباني.

أما العائلات التي استوطنت العاصمة تونس وتخومها، فاشتهرت منها؛ صنديد، العراندي، ابن عاشور، موريشكو، مرباح، الحجيج، الوافي، الكعاك، السراج، الباسطي، ابن زكري، الحجي، الحشائشي، الشريف، مشوش..

لا يكفي الحيّز المحدود لاستعراض الأثر الأندلسي في تونس، وهو أثر شبيه بتأثيرهم في المغرب والجزائر، لكن الثابت أن الموريسكيين أسهموا في خلق حركية كبيرة في البلاد التونسية، طبعت القرن السابع عشر واستمرت نتائجها إلى حد اليوم.

ولكنْ هناك مفارقتين، الأولى تكمن في أن هذا الأثر يقلل من صدى الصدمة التي أحدثها سقوط الأندلس في المخيال الجمعي العربي الإسلامي، والثانية أن طرد الأندلسيين أحدث، أيضا، أزمة اقتصادية في أسبانيا.
12