أثر "شاعر الخضراء" يهدم بدل حفظه في متحف تونسي

في الوقت الذي تحافظ فيه الدول الكبرى على ذاكرتها الثقافية والتراثية، من خلال تحويل بيوت أهم فنّانيها وأدبائها إلى متاحف يزورها المئات من السياح يوميا، هدم منزل الشاعر التونسي الراحل أبوالقاسم الشابي على مرأى ومسمع التونسيين.
الثلاثاء 2016/09/27
الحادثة أثارت الجدل حول حماية المعالم والمواقع الثقافية

توزر (تونس)- أكثر من 80 سنة مرّت على رحيل الشاعر التونسي أبوالقاسم الشابي، لكن التونسيين استفاقوا منذ أيام على خبر هدم الأثر الذي بقي من “شاعر الخضراء” والمتمثل في بيت في محافظة توزر جنوبي العاصمة تونس.

وأثار خبر هدم بيت الشابي، الذي ولد ونشأ في مدينة توزر، جدلا واسعا حيث كان التونسيون ينتظرون من الحكومات التي تعاقبت بعد ثورة يناير 2011، التحرك لحماية منزل الشاعر حتى وصلت المطالبات بتحويله إلى متحف تشرف عليه وزارة الثقافة. ولم يبق من تلك الجدران التي ولد بينها “شاعر الخضراء” في منزل عائلته، غير باب “السقيفة” المتهالك والبعض من الأقواس وسط الركام، حسب الصور التي تداولها التونسيون على مواقع التواصل الاجتماعي بحسرة.

ومن بين بقايا الشاعر في البيت الذي فرط فيه ورثة الشابي لصالح مشتر منذ سنوات، كرسي مازال يذكر جيدا تفاصيل حياة الشاعر وخصوصا جلسته وحركاته وهو يحبر العشرات من الأشعار والقصائد. وكان الباحث في الفكر الإسلامي التونسي أنس الشابي قد لفت منذ أشهر انتباه المشرفين على وزارة الثقافة، مطالبا بضرورة اقتناء منزل الشاعر العربي الأكثر شهرة في العصر الحديث وتحويله إلى متحف أو مزار.

وعلق الباحث على صورة نشرها على صفحته على فيسبوك آنذاك “صورة البيت الذي ولد فيه شاعر تونس أبوالقاسم الشابي والحالة المزرية التي أصبح عليها… أنشرها للاعتبار والعظة”. لكن السلطات لم تتجاوب مع دعوة أنس تلك وهدم البيت بالكامل في مدينة توزر، وانطلقت الأشغال لإقامة مجمع سكني جديد لم يراع في تصميمه الخصائص المعمارية لمدينة توزر التي ارتبط اسمها بشاعر “إرادة الحياة”. واعتبر التونسيون وخاصة أهل الثقافة والأدب تلك الحادثة بمثابة الجريمة بحق الذاكرة التونسية، محملين مسؤوليتها لوزارة الثقافة التي تبرأت من أي مسؤولية، بدعوى أنها حاولت شراء ما بقي من المنزل لترميمه منذ سنوات، لكن الورثة رفضوا ذلك.

وقال محافظ مدينة توزر، منير الحامدي، إن ورثة الشابي قاموا بهدم المنزل وكان لهم حق التصرف فيه منذ العشرات من السنين، وهم أحرار في ذلك”، وبرر عدم تحرك الوزارة لمنع هدم المنزل بـ”عدم امتلاك الحق في التدخل لترميم المنزل أو التصرف فيه، طالما أن ورثة الشاعر رفضوا بيعه” على حد تعبيره. وأضاف الحامدي أن كل ما تبنته وزارة الثقافة من ضريح ومخطوطات وكتب تابعة لشاعر تونس الأول أبوالقاسم الشابي، لا يزال في الحفظ والأمان، ولم تطله عمليات البيع، ومازال قبلة للزوار.

وأعادت هذه الحادثة الجدل حول حماية المعالم والمواقع الثقافية التي اندثرت مثل “مقهى تحت السُور” في باب سويقة وسط مدينة تونس العتيقة، والتي كانت محور النشاط الثقافي والإبداعي خلال أربعينات وخمسينات القرن الماضي، شأنها شأن منازل كبار الأدباء والفنانين التونسيين مثل البيت الذي عاش فيه رائد الأدب الفكاهي التونسي علي الدوعاجي، وبيت الشاعر محمود بيرم التونسي، وبيت المطربة صليحة، وبيت الفنان علي الرياحي وغيرهم من الفنانين والأدباء الذين لم يبق للبيوت التي ولدوا فيها أثر يذكر.

ويطالب عدد من المثقفين التونسيين اليوم البرلمان بإصدار قانون يجبر ورثة الفنانين والأدباء والشخصيات الرمزية في البلاد على بيع منازل هؤلاء إلى وزارة الثقافة لتحافظ عليها، باعتبارها إرثا ثقافيا لا يمكن التفريط به. وفي غياب هذا القانون، لا يمكن لوزارة الثقافة التونسية التدخّل لحفظ الأملاك الخاصة بالمشاهير مثل المكتبات، والبيوت، أو المقاهي، والمطاعم التي ارتبطت بالحركة الثقافية وغالبا ما تقع ضحية الورثة الذين قد يفرطون فيها لأسباب مادية أو لجهل بقيمتها.

وتعتبر البيوت التي ولد فيها الكتاب والأدباء العمالقة الذين خلدهم التاريخ من أهم المعالم الثقافية البارزة التي يزورها المهتمون بالأدب والفنون في بلدانهم وخارجها، حيث تولي الدول أهمية كبرى لهؤلاء المشاهير عن طريق تخليد كل ممتلكاتهم وذكرياتهم في شكل متاحف يمكن للزوار اكتشافها، لكن وزارة الثقافة التونسية لا تزال عاجزة عن ذلك في ظل ضبابية مشاريع السياسيين الذين لم تصبح الثقافة من ضمن أولوياتهم بعد.

24