أثمان صحية ونفسية باهظة لإدمان التكنولوجيا

باحثون يجدون أن الجلوس المطول أمام الشاشات يضاهي التدخين في أضراره ويرتبط بارتفاع احتمالات الإصابة بأمراض القلب والسرطان.
الاثنين 2019/12/09
التكنولوجيا متغلغلة في مجالات عديدة

جعلت الحياة العصرية الناس يشتركون في شيء واحد وهو الانشغال الدائم، وذلك سعيا منهم لمواكبة مجموعة لا نهاية لها من التحديات والمهام. لكن من المرجح وفق تحذيرات الخبراء أن تخلف هذه الممارسة مشكلات صحية ونفسية وربما في وفاته.

يجلس معظم الأشخاص البالغين لساعات أمام شاشات الأجهزة الذكية يوميا، والسبب هو تعدد المهام التي يقومون بها بالاعتماد على وسائل الاتصال الرقمي، لكن في المقابل تؤكد العديد من الأبحاث أن كثرة الجلوس أمام الشاشات يؤثر على الصحة بأشكال مختلفة.

ويبدو أن المسألة لا تقتصر على كون استخدام أجهزة ووسائط إلكترونية أمرا غير صحي، بل امتد ليصبح من حكم المستحيل تجنبهما، على غرار عدم قدرة الناس تقريبا على تحاشي تلوث الهواء.

وتشير نتائج الأبحاث التي أجريت لتشمل تأثير شاشات التلفاز وأجهزة الكمبيوتر المحمولة، وشاشات الهواتف الذكية على المستخدمين في العديد من مجالات العمل، إلى أن أغلب الأشخاص قد أصبحوا عاجزين عن وضع خط فاصل بين شؤون العمل والبيت.

وأفاد بحث جديد أجرته جمعية “بريتيش هارت فاوندايشن” المعنية بصحة القلب في بريطانيا، بأن الإنسان يقضي ما يصل إلى تسع ساعات ونصف يوميا جالسا، أي حوالي 75 بالمئة من وقته دون نشاط حركي، وهو ما يترتب عليه عدد من المشكلات.

وجاءت هذا البحث في معرض دراسة معدلات استخدام الأجهزة الرقمية، بما في ذلك مشاهدة التلفزيون واستخدام الكمبيوتر أو ممارسة ألعاب الفيديو أو استخدام الكمبيوترات اللوحية والهواتف الذكية.

ويصف البعض من الخبراء الجلوس المطول أمام الأجهزة بالعادة السيئة، أو بما يشبه “التدخين من نوع جديد”.

المشكلة الحقيقية تكمن في قطاع التكنولوجيا الذي وضع مستهلكيه في وضع يصعب معه الانفصال عن أجهزتهم في وقت أصبح فيه النموذج التجاري للعديد من الشركات مبنيّا على وسائل التكنولوجيا الحديثة

ويوضحون أن ذلك الوصف جاء نظرا لأن الكثير من الناس يكرسون فترات طويلة من وقتهم لاستخدام أجهزتهم الإلكترونية، من دون أن يدركوا كم قضوا من الوقت في استخدام تلك الأجهزة دون ممارسة أي نشاط رياضي، كما لا يعرفون حجم المضار المترتبة عن ذلك.

ويصلح هنا الاستشهاد بمقولة “العضو الذي لا تستخدمه يضمر” مع مشكلة قلة الحركة، إلا أن الخبراء يؤكدون أن الأمراض المرتبطة بعدم النشاط تمثل عامل خطر رئيسي لحالات الوفاة على مستوى العالم، والأمراض المرتبطة بالسمنة.

وتقول جمعية أمراض القلب البريطانية، في تقرير لها نشر عام 2017، “إنها أكبر تهديد لصحة القلب، وعاملا من عوامل الوفاة المبكرة أيضا”.

وورد في التقرير أن البريطانيين في المتوسط يقضون خمس حياتهم لا يفعلون شيئا، أي يجلسون دون القيام بأي نشاط رياضي.

ووجدت الأبحاث الطبية أن نسبة 76 بالمئة من البريطانيين -الذين يخضعون لعمليات جراحية على مستوى القلب، أو يحولون إلى أقسام إعادة التأهيل بسبب أمراض قلبية- هم من الأشخاص الذين لا يمارسون نشاطا رياضيا.

ويقول مايك كنابتون، الطبيب المتخصص في أمراض القلب، إن “انعدام النشاط الجسماني وكثرة الجلوس يمثلان نسبة عالية في بريطانيا”.

ويوضح كنابتون أنه “إذا جمعنا تأثير هذين العاملين، فإننا سنجد أنهما يمثلان تهديدا كبيرا لصحتنا القلبية، ومن أسباب الوفاة المبكرة أيضا”.

سلوك عدم الحركة

زمن يصعب فيه الانفصال عن الأجهزة
زمن يصعب فيه الانفصال عن الأجهزة

يتسبب الجلوس والاسترخاء لساعات طويلة في 70 ألف حالة وفاة سنويا في بريطانيا ويكلف هيئة خدمات الصحة البريطانية 700 مليون جنيه إسترليني.

ويحذر تقرير الجمعية من أن نحو 5 ملايين شخص يتوفون سنويا في العالم، يمكن تصنيفهم ضمن قائمة الأشخاص الذين لا يمارسون أي نشاط رياضي، مما يجعل عدم القيام بأي نشاطات جسمية بشكل مستمر، واحدا من أهم عشرة أسباب مؤدية للوفاة في العالم.

ويسود اعتقاد لدى معظم الخبراء بأن الفترة التي يمضيها الفرد أمام الشاشات هي أحد العوامل المساهمة في نمط السلوك كثير الجلوس، والذي يرتبط بزيادة احتمالات الوفاة والإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

وخلصت دراسة علمية حديثة قام بها باحثون من جامعة غلاسكو إلى وجود علاقة قوية بين قضاء الكثير من الوقت أمام شاشات التلفزيون والكمبيوتر والإصابة بأمراض القلب والسرطان.

وقال الأستاذ الجامعي جيسون جيل، أحد معدي الدراسة، “أظهرت دراستنا أن مخاطر السلوكيات التي تتسم بقلة الحركة قد لا تكون هي نفسها بالنسبة للجميع، إذ أن العلاقة بين الجلوس أمام الشاشة خلال وقت الفراغ والنتائج الصحية السلبية تكون أقوى بالنسبة للأشخاص الذين تنخفض لديهم مستويات النشاط البدني أو اللياقة البدنية أو القوة”.

وأضاف “سيكون لذلك آثار محتملة على إرشادات الصحة العامة. وإذا كانت النتائج سببية، فإن هذه البيانات تشير إلى أن استهداف الأشخاص الذين لديهم لياقة بدنية وقوة أقل بهدف تقليل سلوكهم الذي يتسم بقلة الحركة ربما يكون أسلوبا فعالا”.

ووجد الباحثون أن قضاء الكثير من الوقت أمام الشاشات مرتبط بارتفاع خطر “الوفاة لشتى الأسباب”، بالإضافة إلى ارتفاع احتمالات الإصابة بأمراض القلب والسرطان.

وهناك أدلة علمية أخرى تؤكد أن الجلوس لوقت طويل للغاية في وضع تكون فيه غالبية عضلات الظهر بعيدة عن بعضها البعض، هي سبب رئيسي للإصابة بالإعاقة على مستوى العالم.

ويقول الباحثون إن سلوكيات عدم الحركة في المجتمعات الحديثة، مثل الجلوس لمشاهدة التلفاز، والجلوس في السيارة أو لاستخدام الكمبيوتر، أصبحت لها فرص انتشار كبيرة.

وبالطبع قد يتوجه العديد من الناس في المجتمعات الحديثة إلى صالات الألعاب لممارسة الرياضة لتحقيق التوازن المطلوب، لكن فريقا من العلماء من جامعة ليستر ولوبورو يقول إن الضرر يقع حتى مع ممارسة الأشخاص للرياضة.

واعتمد الباحثون على معايير الدراسات التي تم تسجيلها للأشخاص المشاركين في هذه الدراسة، وتضمن ذلك على سبيل المثال، مشاهدة التلفاز لفترة أقل أو أكثر من 14 ساعة في الأسبوع، أو وقت الجلوس بداية من أقل من ثلاث ساعات في اليوم إلى الجلوس أكثر من ثماني ساعات يوميا أيضا.

ويقول الباحثون إن هذا يعني أنه من غير الممكن أن يتم تحديد فترة زمنية معينة يقضيها الشخص ساكنا فيبدأ عندها الضرر على الصحة.

لكن إيما ويلموت أستاذة أمراض السكر بجامعة ليستر وقائدة فريق البحث قالت إنه من الواضح أن هؤلاء الذين قضوا أوقاتا طويلة جالسين، كانت لديهم أعلى درجات مخاطر الإصابة بأمراض السكر والقلب وحتى الوفاة، مقارنة بهؤلاء الذين كانوا يقضون أقل أوقات الجلوس.

أدلة علمية

إدمان من نوع جديد
إدمان من نوع جديد

قال ستيوارت بيدل، الأستاذ بجامعة لوبورو والمشارك في إعداد الدراسة، “هناك العديد من الطرق التي يمكن من خلالها أن نقلل من وقت جلوسنا، مثل قطع فترات العمل الطويلة على أجهزة الكمبيوتر ووضع أجهزة اللاب توب على خزانة الملفات والعمل وقوفا”.وأضاف “كذلك يمكننا أن نعقد اجتماعاتنا ونحن وقوف، ونمشي أثناء فترات الراحة، ويمكننا النظر في تقليل أوقات مشاهدة التلفاز مساء من خلال البحث عن أنشطة بها حركة أكثر”.

هذه الحلول لا تبدو صعبة المنال لنحو 70 بالمئة من مستخدمي أنظمة آندرويد الراغبين في “تحقيق توازن أفضل” في استخدامهم التكنولوجي، وفق شركة غوغل. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في قطاع التكنولوجيا الذي وضع مستهلكيه في وضع يصعب معه الانفصال عن أجهزتهم في وقت أصبح فيه النموذج التجاري للعديد من الشركات مبنيّا على وسائل التكنولوجيا الحديثة.

وفي عام 2019 أطلقت كل من آبل وغوغل أدوات رقمية تسمى “وقت الشاشة” و”الصحة الرقمية” على الترتيب وهي تسمح لمستخدمي آيفون وآندرويد بمعرفة كم من الوقت يمضون في استخدام التطبيقات المختلفة وعدد المرات التي يستخدمون فيها أجهزتهم. لكن ذلك لم يزد في وعي الناس بمضار الوقت الذي يقضونه في استخدام الأجهزة التكنولوجية حتى يعملوا على الحد من الجوانب السلبية لها على صحتهم.

وربما يكون من الصعب إجراء تغييرات جذرية في نهج الاستخدام المفرط للتكنولوجيا، دون السعي في البداية إلى تغيير القوانين الأساسية المتعلقة بالعمل.

وتحتاج الحكومات إلى إنفاذ اللوائح والقوانين المتعلقة بذلك، وليست هناك أي دلالات على أن هذا قد يحدث قريبا في معظم دول العالم، من أجل مواجهة الممارسات التي تستغل الموظفين وتدفعهم للعمل لساعات طويلة.

لكن على الرغم من عدم وجود وسيلة تكفل للكثيرين الإفلات من قبضة التكنولوجيا بشكل كامل، فإن ذلك لا يجب أن يجعلهم يقللون من أهمية التحرر منها في مكان العمل على الأقل لساعة واحدة يوميا لممارسة بعض الأنشطة الرياضية، فبوسعهم إيجاد هذه الفترة الزمنية من خلال ترتيب جدول يومهم على نحو أكثر براعة، وكذلك تغيير الطريقة التي يستخدمون بها الأجهزة والوسائط الرقمية.

وتقول ساندي تود ويبستر، رئيسة تحرير المنشورات الصادرة عن جمعية “أيديا” للصحة واللياقة البدنية، إن “أي نشاط بدني من أي نوع سواء لمدة خمس دقائق أو ساعة أثناء العمل، سيعود بفوائد عديدة على صحتكم”. وتضيف “إن فرص مزاولة النشاط البدني متاحة للجميع في كل مكان، وقد تغنيكم عن زيارة صالة الألعاب الرياضية”.

ومن الواضح أن الاعتدال في استخدام الأجهزة التكنولوجية هو الحل للتصدي لأضرارها عن طريق أخذ فترات استراحة أثناء كل الأنشطة على تلك الأجهزة.

الاعتدال في استخدام الأجهزة التكنولوجية هو الحل للتصدي لأضرارها
الاعتدال في استخدام الأجهزة التكنولوجية هو الحل للتصدي لأضرارها

 

12