أثير الموسوي يرصد ذوبان كل شيء بألوان متصدعة

الفنان العراقي يجمع بين البيولوجي والتكنولوجي في أعمال ديجيتالية تحتفي بالتلاشي.
الأربعاء 2021/06/09
للانفجار شعريته اللونية

تكاد السنتان الأخيرتان تختصران هول الانحدار في مفهوم الإنسانية وفي تجلياتها على حد السواء. ويتفاقم تأثير هذا الهول في دول الشرق الأوسط دون غيرها من المناطق في العالم، لأنها تصبح سنة بعد سنة أكثر تعايشا مع حالة “لا شيء يقينيّ، كل شيء يذوب ولا بأس بذلك”. “حالة” هي أيضا عنوان لآخر معرض للفنان العراقي - البريطاني أثير الموسوي في صالة “أيام” في دبي.

 إضافة إلى مجموعة من أعماله الفنية السابقة قدّم الفنان التشكيلي العراقي - البريطاني أثير الموسوي المعروف اختصارا باسم أثير لوحات جديدة مختلفة الأحجام ومشغولة في معظمها بمادة الإكريليك التي تنسجم مع أسلوبه وتقنية تنفيذه للأعمال.

وعرض المجموعة في صالة “أيام” في دبي تحت عنوان غير مختصر يلقي الضوء على مضمون اللوحات والأفكار التي شكّلتها كل واحدة منها على حدة، عنوان يسلّط الضوء أيضا على علاقة اللوحات المتينة ببعضها البعض من حيث المعنى الذي أراد الفنان الإشارة إليه. أما المعنى فقد جاء ناصعا في هذا العنوان “لا شيء يقينيّ، كل شيء يذوب ولا بأس بذلك”.

الجمع بين نقيضين

نص الفنان البصري يمتلك من ناحية مقومات جمالية لونية تزيينية، ومن ناحية أخرى يظهر مشبعا بالمعاني والرموز

لوحات الفنان أثير بشكل عام ليس من السهل استيعابها وتتطلب تفكيكا بطيئا لعناصرها التي تجسّد قطعا مُتناثرة مختلفة الأحجام والألوان والأبعاد، والتي تبدو العديد منها مشحونة بالرمزية وغنيّة بومضات من تاريخ المنطقة وأساطيرها.

لم يسلم من الفنان أي عنصر بصري تقريبا، لاسيما من عالم المدن والمشاهد المدنية المفكّكة المُشرفة على الطبيعة قبل أن تتغلّب عليها، فيستدرجها إلى لوحاته.

لوحات فاضت بتفاصيل من تلك العوالم المعاصرة والعامرة بالأشكال المعمارية والمنحوتات والهيئات المتحجرة العضوية، منها التي تبدو وكأنها سقطت من الفضاء لغرابتها الفجّة والخطوط اللولبية المتعرّجة والمُلتفة إلى ما لا نهاية، وشظايا الزجاج، ونثرات الخشب وأطراف النباتات والأغصان والأسماك والحشرات وقطع الرخام، وعناصر أخرى قادمة من عالم الإنسان البيولوجي كالقلب والدماغ والأوردة والأرحام، وكذلك التفاصيل الآتية من عالم التكنولوجيا كالأسلاك المعدنية والصور التكعيبية المُنتجة ديجيتاليا…، لائحة العناصر تطول ولا تنتهي.

لا شيء يقينيًّا

Thumbnail

إن عدنا إلى معارضه السابقة نجد أن الأكثرية الساحقة من لوحاته كانت تجسّد انفجارا هائلا من الألوان يبدو مُعلقا في الهواء ولا جاذبية تشدّه صعودا أو نزولا.

وينتج عن هذا التعلّق في الهواء، مع بعثرة وتشظّ واضح دون أعمدة أو أي شي آخر من قبيل الحبال أو الأسلاك أو حتى الأشعة، إشباع للوحات بحالات من السكون الغرائبي والثبات غير المنطقي الذي يُخشى انهياره في أي لحظة.

نص الفنان البصري يمتلك من ناحية مقومات جمالية لونية تزيينية، ومن ناحية أخرى وبعد نظرة ثانية إليه يظهر مُشبعا بالمعاني ويدعو القارئ/ المشاهد إلى أن يركب منه لغة تفشي أسرار الأشكال وعلاقتها ببعضها البعض.

أما اليوم، وفي معرضه الأخير، لم يخرج أثير حتما عن آفاق الانفجار اللوني الهائل الذي لم يترك شيئا إلاّ وصدّعه وشظّاه أو أعاد تركيبه مع عناصر أخرى.

لكنه نص بدا أقلّ احتداما وتحلّلت فيه الكثير من الالتفاتات ما سمح للفراغ، وإن كان ضئيلا، بأن يقول كلمته. كما أضاف الفنان هيئات هلامية ومائية أخرى قيد التلاشي أو التكوّن وموجات مُبعثرة تغوص بين الطبقات ومساحات خلت من التوترات والشحنات المغناطيسية، لتؤكّد أن “لا شيء يقينيّ، كل شيء يذوب”.

أما “ولا بأس بذلك”، وهو التعبير المُتمّم للعنوان، فلربما تجلى ليس فقط “بشفاء” موجودات العمل الفني من الضخامة والتصّلب وإنما أيضا عبر ألوان باستيل رقيقة حينا وشفافة حينا آخر تأخذنا أكثر فأكثر إلى عمق اللوحة.

وهذا “اللابأس” الجليّ في اللوحات، أو على الأقل في معظمها، هو نوع من المهادنة والقبول بالأمر الواقع، ريثما يحدث أمر مّا تنتقل فيه اللوحة إلى مرحلة قادمة تبشّر بقدومها.

لوحات غنيّة بومضات من تاريخ العراق وأساطيره
لوحات غنيّة بومضات من تاريخ العراق وأساطيره

وإذا كان ثمة مشهد سينمائي يستطيع أن يعبّر عن النظام في الفوضى وينقل “جمالية” بل شعرية الانفجار، فسنجده حتما في سلسلة مشاهد الانفجار أواخر فيلم “ذابريسكي بوينت” للمخرج أنطونيوني والمنجز في عام 1969، والذي بلغت مدته ما يقارب أربع دقائق فقط، حيث ازداد فيه تجريدا وشعرية لينتهي الفيلم بمشهد هادئ ليس دراميا ولا هو بالسعيد، ولكن يقع في مكان ما من “ولكن لا بأس بذلك”.

ويستطيع الناظر إلى أعمال أثير أن يشيّد نصا سرديا جامعا يكشف عن انشغال الفنان بأفكار ما زالت، على الأقل بالنسبة إلى كل مطلع على أعماله السابقة، تدور حول التصدّعات الداخلية للفنان ومحاولات رأب الفتق القائم بين الجنسية الأصلية وتلك التي حصل عليها بعد استقراره في المنفى. وتنسحب أهمية ما طرحه الفنان في لوحاته على كل عراقي غادر بلاده، لاسيما في الثمانينات من القرن الفائت، ليستقر في المنفى كما فعل أثير.

وأثير الموسوي المولود سنة 1982 لم يعش سنوات الحرب ولا القهر الذي تناسل منها، ولكنه معني من خلال نصه الفنيّ بعمق التشنّجات والآلام التي لا يزال العراق يعيشها إلى اليوم.

ويحظى الموسوي، الذي تحصل على شهادة تصميم الاتصالات في كلية سانت مارتنز في المملكة المتحدة، بمكانة مرموقة في عالم الفن؛ حيث اختير في 2007 كفنان عربي مقيم في المتحف البريطاني، إلى جانب عمله كمدرس، ثم تفرّغ كفنان مقيم عام 2011 في المعرض الوطني للبورتريه بلندن.

وأقام معارض فردية في مختلف بلدان العالم، منها “تتلاشى وتطفو” و“رجل حرب” و“قلوب آلية” و“ما بعد التعرية”، وله مجموعة أعمال عنونها بـ“كل الأشياء تأتي مُتباعدة” وهي كباقي أعماله في سياق واحد: جدية الأفكار وجمالية الهيئة المُحقّقة لها.

Thumbnail
16