أثيوبيا مفتاح مصر إلى أفريقيا

الاثنين 2014/09/08

جاء وقت كادت العلاقة المتوترة بين مصر وإثيوبيا أن تتسبب في أزمة كبيرة بين البلدين، وصلت إلى حد عدم استبعاد اللجوء إلى خيارات خشنة لمنع بناء سد النهضة، والآن استطاعت الوسائل الدبلوماسية أن تتجاوز المحنة، ويصل الطرفان إلى توافقات قد تجعل من السد مدخلا لتطوير العلاقات بدل توتيرها.

اللقاءات المتلاحقة التي عقدت خلال الفترة الماضية، نجحت في تذويب أكوام كبيرة من الجليد، الذي تراكم بصورة اعتقدت بعض الدوائر أن العلاقات دخلت نفقا مظلما، ولم تكن اللغة الناعمة التي ظهرت في الخطاب السياسي للمسؤولين في البلدين أخيرا معهودة من قبل، فحجم الإشادات التي خرجت من هنا (القاهرة) وهناك (أديس أبابا) أشاعت أجواء من التفاؤل، وقلبت المشهد من النقيض إلى النقيض، ولعل الزيارة المفاجئة التي قام بها سامح شكري وزير خارجية مصر لإثيوبيا يوم الخميس الماضي، أكدت أن الطرفين عازمان على بناء علاقات ودية.

المعلومات التي رشحت عن هذه الزيارة، وما سبقها من اجتماعات في مناسبات مختلفة، في القاهرة وأديس أبابا ومالابو والخرطوم، جميعها عززت الثقة، التي ظهرت مع وصول الرئيس عبدالفتاح السيسي لسدة الحكم في مصر، وتمكنه من طيّ الصفحة الرمادية التي تحولت لقاتمة في عهد الإخوان، والمرجح أن تزداد العلاقات صفاء الفترة المقبلة، بعد التوافق على إطار زمني لإنهاء الدراسات خلال ستة أشهر، حيث سيتم الانتهاء من تشكيل لجنة مستقلة مكونة من خبراء محايدين (هذا المطلب مصري استجابت له إثيوبيا أخيرا)، متوقع أن تبدأ اجتماعاتها خلال الشهر الجاري، ومطلوب منها وضع دراسة خاصة بمعرفة معدل تدفق المياه، وقياس الآثار البيئية والاقتصادية لبناء سد النهضة.

في هذا الاتجاه جرى التوافق أيضا على عقد اللجنة المشتركة في أديس أبابا من 1 إلى 3 نوفمبر المقبل، للتفاهم حول المزيد من القضايا، التي تعود بالنفع على الجانبين، وتساهم في تطوير العمل بينهما، وربما يعد اللقاء المنتظر بين الرئيس السيسي ورئيس وزراء إثيوبيا هيلا ماريام ديسالين في نيويورك، على هامش الدورة الـ69 لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أواخر هذا الشهر، علامة مهمة في التطور الملحوظ، ويشي أن القاهرة وأديس أبابا مصممتان على عدم العودة للوراء.

الحاصل أن مصر لا تنظر إلى أزمة سد النهضة على أنها قضية مصيرية تتعلق بملف المياه فقط، لكن تعتبر تجاوزها محكا لدورها القادم في القارة الأفريقية، فالإخفاق سوف تترتب عليه مشكلات كبيرة، تتعدى حدود الخلاف المباشر مع إثيوبيا، وما ينجم عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية وأمنية أيضا، وكلها عوامل يمكن أن تفضي إلى استنزاف جزء من جهد مصر، في المواجهة وتلافي النتائج التي قد تقود إليها، وهو ما يعطل أية طموحات وأمنيات تريد القاهرة الوصول إليها، في وقت تبدو فيه المشاكل الداخلية عصية على الحل سريعا، والرياح القادمة من الجنوب (أفريقيا) ليست سهلة، خاصة في فضاء المواجهة الممتدة مع متشددين، أصبحت لهم روافد متينة في أنحاء مختلفة من القارة السمراء.

في حين، يمثل عبور محطة سد النهضة قفزة للأمام، سوف تتعزز، إذا واصل البلدان التقدم نحو المزيد من التفاهم، الذي تكشفت معالمه مؤخرا، ومعه سيتحول السد من أزمة إلى عنصر تعاون، والتوتر في العلاقات إلى هدوء، يمكن أن يفتح أبوابا للتنسيق في مجالات مختلفة، وعلى هذه القاعدة تستطيع القاهرة تنفيذ رؤيتها لاستعادة دورها في أفريقيا، بما يفيد في الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية المترامية، ويجعلها رقما أساسيا في كثير من المعادلات، التي اختل عدد منها على مدار السنوات الماضية.

أثيوبيا يمكن أن تكون أحد أهم مفاتيح مصر في أفريقيا، ينبع من أربع ركائز رئيسية، تتقدم أو تتأخر، غير أنها تتكامل في النهاية لتشكل حلقاتها سلسلة متصلة بإحكام.

الأولى، الأهمية الحيوية التي تحتلها إثيوبيا على الصعيد الإقليمي، فقد تحولت في سنوات وجيزة إلى لاعب محوري في كثير من الأزمات (في السودان شمالا وجنوبا، والصومال) بل أصبحت مفتاح الحل والعقد، تتدخل للتسوية، ولم تكن بعيدة أحيانا عن تعقيد بعض الأزمات، لذلك فتطوير العلاقات معها، من جانب مصر، سوف تكون له مردود جيد، أو على الأقل يخفف من المردود السلبي.

الثانية، المكانة التي تحتلها أديس أبابا في أجندة بعض القوى الدولية، حيث ينظر لها على أنها رقم مؤثر في التوازنات المتعلقة بحسابات قوى بعينها، وتقوم بدور مكمل لها في المنطقة المحيطة بها، كما يتم تجهيزها منذ فترة لتكون قوة أساسية وقابضة على زمام عدد من القضايا، بالتالي فالصدام معها لن يكون مجديا لمصر، وتجربة سد النهضة تقف شاهدة، إذ تم الشروع في البناء، بعد أن تلقت إثيوبيا تمويلا سخيا من جهات دولية، ودعما معنويا كبيرا.

الثالثة، سد النهضة يمثل أزمة واحدة لمصر، حلها لن يلغي أزمات أخرى كامنة، ومتوقع انفجارها في أي لحظة، وأهمها عدم استبعاد إثارة الغبار في ملف تقاسم المياه، الذي كان حتى وقت قريب، ملف الخلاف الوحيد مع مصر، وتوارى فقط بعد تصاعد أزمة سد النهضة، من هنا يتعدى تفاهم القاهرة مع أديس أبابا هذا السد، ليصل إلى تعاون وتنسيق حول مسألة تقاسم وحصص المياه، التي ترفض مصر المساس بالاتفاقيات السابقة المنظمة لها.

الرابعة، دور إثيوبيا في مجال مكافحة الإرهاب في شرق أفريقيا، والذي بدأت ملامح الاهتمام به تتصاعد عالميا، الأمر الذي يدعم وجهة نظر مصر، ودورها المبكر في التحذير من مخاطره، وفي هذا السياق يسمح التفاهم المشترك بين القاهرة وأديس أبابا، بفتح أفق للتعاون على قاعدة مكافحته إقليميا، والحد من تمدد عناصره في شرق أفريقيا.


كاتب مصري

9