أجراس لأجل المدينة المعتقلة

الأحد 2014/07/06
من صلصال اليأس تُشكّل أيقونة الأمل

ما من كلمات تصف الطريق إلى الزعتري أبلغ من الكلمات التي وصفت الطريق إلى عين الحلوة. لا بلاغة تردم الفجوة بين المخيم الفلسطيني والمخيم السوري أمضى من بلاغة العلاقة بين الاستعمار والاستبداد.

أجتاز السلك الشائك والبندقية، وأدخل المخيم السوري، أودع اللاجئ الفلسطيني الذي كنتُ واستقبل اللاجئ السوري الذي صرتُ. وبين ضفتي الزمن أخطو خطواتي الأولى في مخيم الزعتري.

كل خيمة هنا، كل وتد في خيمة، كل وجه، كل صفعة شمس، كل ظلّ جافّ، كل نظرة في لاهب المخيم تعيدني إلى عين الحلوة، حيث كنت أمرن يفاعتي على عادات اللاجئين والمنفيين، وأشكل من صلصال اليأس أيقونة الأمل، محرضاً أيامي على احتمال فكرة المجهول. الزعتري مدينة معتقلة في الخيام، أطفال يملأون العالم صراخا، وحياة تجمدت في صورها الأولى.

جرعة الماء، هنا، في الزعتري، غير جرعة الماء، كسرة الخبز غير كسرة الخبز، ونبرة الفتى غير نبرته في أي أرض. للوقت هنا حجم ووقع وخلاصة لا تدرك بالحجة ولا بالمنطق، ولكن بعصب اللاجئ، وعينيه الجائلتين وراء الأسلاك.

هنا في خيمة شيكسبير يسكن الملك لير بآلامه الكونية وفي جواره هاملت العربي، هنا يصدح صوت المغني بلكنته الدرعاوية ويردد الشامي الجريح: “وسوى الروم خلف ظهرك روم”، هنا هب الصبية الشاميون بابتساماتهم الهازئة بالزمن، وبينما الريح تلطم الخيام بالرمل، يقف الشهود ليستعرضوا ألسنتهم المقطوعة.

وإذ أتجوَّل في هذا المهب الغباري، أَسْرَحُ بعيني وأسْرَحُ بذاكرتي معاً، هنا وهناك أمس واليوم، وغداً، وأينما أقيمت تتشابه الخيام، ولا يشتبه عليك اللاجئ. في لبنان أو سوريا أو تركيا أو العراق أو الأردن، وحيثما نُصبت خيام المأساة، تتشابه نظرات اللاجئين بينما هي تجول في الخيام وما بينها، فاللاجئ بلا هوية أخرى سوى وجهه ومأساته، صمته وحيرته ينطقان بحاله، وبينما العراء، وحلاً وغباراً، يكتبان بالشظف والضياع مأساة اللاجئ، الاقتلاع والغربة، الناهبان صورته، هما مقام اللجوء وهوية اللاجئ.


علامات الضياع


أكثر ما يصدم المرء في الزعتري هو الضياع في مكان مقفل، هنا تنهض المتاهة المقفلة، ولا يبقى للاجئ سوى شحوب الأمل. أولى علامات الضياع في الزعتري، وأكثرها خطورة وتحطيما للأعصاب، هو وجود ما لا يقل عن 80 بالمائة من الطلاب ومن هم في سن الالتحاق بالمدارس، بلا مقعد مدرسي. ولو عرفنا أن 70 في المائة من نزلاء المخيم هم من الأطفال والناشئة والشباب، فهذا يعني أن جيلا بأكمله، متمثلاً في هذه العينة النموذجية للجوء السوري، سوف يتحول، في غضون سنوات قليلة إلى جيش من الأميين والفاشلين وربما المجرمين، وفي أفضل الاحوال إلى جيل من المحرومين غير القادرين، بفعل ضرورات التشرد، على الإقبال على مقاعد الدرس.

هنا في خيمة شيكسبير يسكن الملك لير بآلامه الكونية وفي جواره هاملت العربي، وبينما الريح تلطم الخيام بالرمل، يقف الشهود ليستعرضوا ألسنتهم المقطوعة

ومن بين الأسباب الصانعة لهذه المأساة، إلى جانب التقصير الدولي المريع بحق اللاجئين، رغم الإحصائيات التي لا نفع فيها، وبيانات العطف والاهتمام التي تطلقها المنظمات الدولية، هو تلك الأوضاع الاقتصادية القاسية التي جعلت العائلات الهاربة بجلودها من المحرقة السورية، تدفع بأبنائها إلى استبدال العمل بالدراسة، إن داخل المخيم أو خارجه، وذلك من باب الحاجة الماسة إلى أنسنة شروط العيش، التي وجدوا أنفسهم أسرى لها.

إن لسان حال آلاف العائلات السورية اللاجئة في الزعتري وخارجه، يقول: نريد الرغيف قبل الكتاب، والدواء قبل الكتاب، والرداء قبل الكتاب، وتحسين ظروف المرقد في الخيمة أو في غرفة مستأجرة، نريد هذا كله قبل الكتاب.

خلال جولتي في الزعتري، قبل أيام، وصلتني أولى الحقائق الأليمة؛ في المخيم المقفل على آلامه اليومية، 2000 طالب جامعي انقطعوا عن جامعاتهم السورية، وحرموا من متابعة دروسهم، وجل هؤلاء من المناطق التي ضربتها البراميل المتفجرة، في ريف دمشق والقنيطرة وحوران وغيرها من المناطق الجنوبية السورية التي تحول أهلوها، بين ليلة وضحاها، إلى لاجئين. هؤلاء الطلبة الجامعيون يشتغلون اليوم، في المخيم، أعمالا يدوية، ليمكنهم أن يسدوا النقص المريع في الاحتياجات الأبسط ما يمكّن الرجال القادمين من بيئات محافظة من ستر عائلاتهم.


انسداد الأفق


ليست، وحدها، مذلة اللجوء في خيمة هي ما يؤرق آلاف العائلات القاطنة هنا، بعيدا عن بيوتها، وفضاءاتها ومجتمعاتها المحطمة، ولكن الحاجة إلى الستر، إلى الحميمية الأسرية والنظام العائلي، إلى حفظ الكرامة، كل شيء هنا يفلت ليصبح قرين الضياع.

المرض، والعوز، وانسداد الأفق، الوقت المديد في صباح الخيمة وظهيرتها ومسائها وليلها الطويل، الأهل المتخلفون في جحيم المحرقة وأخبارهم المنقطعة، الفتية المنتشلون من أرض المعركة على نقالات مبللة بالدم، الأطراف المفقودة، النزيف المتواصل، الأخبار الكارثية عن البيوت التي سُوّيت بالأرض، والبشر الذين أكلتهم القبور، والأقارب الذين انقطعت أخبارهم، ومذلة النظر طويلا إلى ما وراء الأسلاك في انتظار نيل عطف العالم واهتمامه الإنساني.

ثلاثة ملفات مرعبة لا يمكن لمخيم الزعتري مواجهتها من دون سلوك دولي مسؤول: ملف مرضى السرطان، وملف مرضى الفشل الكلوي، وملف الآفة الجديدة الداهمة: مرض الكبد الوبائي.

ولمن يهمه الأمر، هناك في المخيم اليوم حوالي 2700 حالة سرطان تحتاج إلى جرعات دورية. وحوالي 2000 شخص وربما أزيد يحتاجون إلى عمليات غسيل كلى كل 15 يوما، وآلاف المصابين بفيروس الكبد الوبائي، الذي تسببت به أطنان الأسلحة المحرمة التي ضربت بها المناطق التي فر منها اللاجئون.

أكثر ما يصدم المرء في الزعتري هو الضياع في مكان مقفل، هنا تنهض المتاهة المقفلة، ولا يبقى للاجئ سوى شحوب الأمل


معجزة يومية


ما الذي يجري في مخيم الزعتري؟ أي ناظم اجتماعي واقتصادي وثقافي وأخلاقي يخيط العلاقة بين الخيمة والخيمة والتجمع والتجمع، في مدينة باتت اليوم رابع أكبر تجمع سكاني في الأردن بعد العاصمة عمان؟

هناك الوجه المشرق لكفاح اللاجئ من أجل بناء حياته المؤقتة؛ في كل خيمة معجزة، تعكس الوجه الحضاري لشعب لم يفلح الاستبداد في هدم إرادته الحرة، وتحطيم روحه المبدعة، أو عصبه الأخلاقي. عصب الكرامة الذي يؤجج روحه الناهضة جعله يتفوق على قدراته ويقهر الصعاب. في الزعتري اليوم، بفضل إبداع اللاجئ، مشفى سوري بإمكانات سورية خالصة، معجزة هذا المشفى أنه بدأ في خيمة هدمت مراراً، ولم يستسلم أطباؤه وممرضوه السوريون للمحبطات اليومية، حتى بات معلما من معالم الإرادة التي لا تلين.

هناك مربون حدبوا على الأطفال، وأكاديميون طفقوا يخدشون بأظافرهم حائط المذلة، فأهانوها بالفكرة والعمل، وظفروا، ولو بالقليل مما يمكن له أن يحفظ للبعض من أبناء المخيم حق نيل العلم.

ثلاث مدارس فقط في مخيم الزعتري، أمكن للمخيم انتزاعها من المجتمع الدولي، لا تتيح لأكثر من 20 بالمائة من الطلبة أن يواصلوا تعليمهم، لكن الغالبية وجدت نفسها إما مشردة في المتاهة المقفلة، في أجواء لا تسمح بالإقبال على الدرس، أو هي في أسواق العمل التي أبدعها اللاجئون بقدراتهم الذاتية، ودفعوا إليها أطفالهم، ليستروا أنفسهم، في مجتمعات انكمشت على نفسها خوفا من المجهول. مخيم الزعتري، على هذا الميل، معجزة يومية.


نصف لاجئ


لكن للجوء وجوه شتى، يتحدثون هنا، وليس همساً، في تفشي الجريمة، السرقة والمخدرات والتحرش الجنسي، وصولا إلى الدعارة والاتجار بالبشر، وغيرها من أمراض اللجوء والأمكنة المقفلة.

إن أفدح ما يتعرض له اللاجئ السوري في الزعتري هو عدم الاعتراف به لاجئا، السوري لا يحمل حتى الآن هوية لاجئ، إنه نصف لاجئ، فهو يجدد له كل ستة أشهر. وهذا يعفي الأمم المتحدة ومنظماتها من تطبيق لوائحها عليه، من حق التعليم، والعمل لإعالة الأسرة، وحرية الحركة، والطبابة الملزمة، والحصول على بقية الحقوق التي تحفظ له كرامته كإنسان.

لابد، إذن، من إطلاق الصرخة في وجه الأمم المتحدة، التي لم تعترف حتى الآن باللاجئ السوري لاجئا، وللسوريين حقوق عليها، مستحقة، فدولتهم التي يهدمها الاستبداد اليوم عضو مؤسس فيها.

الحالة السورية، إذن، قبل الخوض في أي قضية تتعلق بوضع هؤلاء الذين باتوا أسرى الزعتري، تتطلب مواجهة مفتوحة مع الأمم المتحدة التي تملك بالتأكيد، ترسانة واهية من الأعذار لإعفاء نفسها من واجباتها نحو شعب يتعرض للاغتصاب، وتساهم مؤسساتها في عذاباته بدل أن تخفف عنه. ولا بد لهذه المواجهة، مع استمرار تدفق اللاجئين، من أن تخاض بطاقم مكين من الحقوقيين السوريين والعرب وغيرهم ممن يضيرهم أن يهان شعب عريق كالشعب السوري، متسلحين بملفات موثقة عن حال اللجوء السوري، إن في الزعتري، أو في مخيمات لبنان وتركيا والعراق، خصوصا، حيث تنتشر خيام التغريبة الشامية الكبرى، وتتفاقم تحت باصرة العالم أكبر مأساة شهدها القرن الحادي والعشرون.لابد من قرع الجرس، وتجريم المقصرين.

أولى علامات الضياع في الزعتري، وأكثرها خطورة وتحطيما للأعصاب، هو وجود ما لا يقل عن 80 بالمائة من الطلاب ومن هم في سن الالتحاق بالمدارس، بلا مقعد مدرسي


أطفال يعملون


آلاف مؤلفة من العائلات في الأردن، وحده، يعيلها أطفال تتراوح أعمارهم ما بين 10 سنوات و15 سنة، هذه جريمة تاريخية نكراء بحق مستقبل شعب، فما بالك بلبنان حيث لا حقوق حتى للاجئ الفلسطيني، وحيث عشرات آلاف الأطفال في أسواق العمل.

ولو غادرنا أسلاك الزعتري، في سوريا، اليوم 650 ألف معوق، نصفهم من الأطفال، كثرة منهم في خيام العالم وشوارعه، وبعضهم في سوق العمل. ومئات آلاف الأسر فقدت معيلها.

أيها المثقفون السوريون ودِّعوا الإيديولوجيا، وتعالوا إلى الخيام، إلى شوارع المذلة، إلى المحرقة الأممية، بعد ما أنزلته بالسوريين مصارع الاستبداد.

ماذا أفعل هنا، في مخيم الزعتري، وهو نموذج ليس إلا، ماذا يفعل الزائرون هنا، بينما هم يملأون محاجرهم بالصور المريعة لحطام شعب نهض يطالب بالحرية، فكافأه العالم بالخيام؟

شكرا لكم أيها المحسنون، شكراً لك، أيها العالم الحرّ، شكراً لك أنجلينا جولي، يمكنك استعادة تبرعاتك للأطفال، الذين باتوا بلا بيوت، من محصل الضرائب في أميركا السعيدة. شكرا لك ملالا يوسف على صوتك الذي قال: “لازال هناك كثيرون لا يمكنهم الذهاب الى المدارس وعلى المجتمع الدولي أن يساعدهم على تحقيق ذلك”. لكن الحقيقة، أن قلة قليلة من أطفالنا المستجيرين بالعالم أمكنها نيل مقعد وكتاب، أما الكثرة المتعاظمة فهي في أسوأ مصير.

لا تزيد القدرة الاستيعابية للمدارس الثلاث التي أقامتها تبرعات الأمم في مخيم الزعتري على 15.000 طالب. (يصل منهم إلى مقاعدها، كما وصلني هنا، أقل من النصف، بينما ينصرف النصف الباقي إلى سوق عمل الأطفال لسد حاجات الأهل) ولا يقبل عاقل له قلب أن يرغم أسراً بلا معيل على إرسال أبنائها إلى المدارس في ظل حاجتها الماسة إلى عمل أيديهم في ظروف اجتماعية واقتصادية وصحية كارثية.

نموذج الزعتري، يصلح أن يكون، عينة لا غير، في ظل تدهور مريع للوضع الأمني في سوريا، وانسداد الأفق أمام السوريين

في أحدث تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف” اعتراف بأن “نحو 60 ألف طفل سوري في الأردن باتوا غير مؤهلين للعودة إلى التعليم بعد انقطاعهم عنه لسنوات، من بين نحو تسعين ألف طالب سوري فاتهم التعليم بسبب اللجوء إلى الأردن”. لكن المنظمة لا تقول لنا كيف يمكن حل هذه المعضلة.


أول الكلام


إن نموذج الزعتري، يصلح أن يكون، عينة لا غير، في ظل تدهور مريع للوضع الأمني في سوريا، وانسداد الأفق أمام السوريين. بلد صغير كالأردن، رغم الكلام على رواج تجارة اللجوء واستفادة الكثيرين من ورائها هنا، لا يلام، حقيقة، ولكن الملام هو الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية، والمجتمع الدولي والقوى الكبرى التي أدارت ظهرها للسوريين لاجئين في وطنهم الممزق أو هاربين من المحرقة التي أقيمت لهم إلى الخيام، والتشرد على الأرصفة. ما سلف ليس إلا أول الكلام في مأساة العصر. أيها المثقفون السوريون، شعبكم ينتظركم، تعالوا إلى الخيام.

11