أجمل الأشعار ما يحفظ عن ظهر قلب

الخميس 2015/06/18

معظم النصوص الأدبية المعاصرة التي تدّعي التجديد، سواء في القصة والرواية أم في الشعر، يغلب عليها الغموض، لأن أصحابها يعتقدون أن أدبية النصّ وحداثته لا تتحقّقان إلا بذاك، وأن الوضوح ينأى بهم عن تلك الغاية.

وإذا كان التجديد مطلبا مشروعا، لأن السير على خطى السابقين تقليد غير محمود باعتبار الإبداع في مفهومه الجوهري خلقا على غير مثال، فإن الإيغال في الغموض لا يُكسِب النصّ قيمة مضافة، ولا يضمن لصاحبه تفوّقه وحضوره، فضلا عن كونه يُفقِد الأثر تواصُله مع قرّائه.

ولو ألقينا نظرة على تاريخ الأدب العربي لوجدنا أن التجديد والتواصل مع القارئ كانا في الغالب متلازميْن، وأن من سعوا إلى تطوير الأدب مبنى ومعنى لم يقطعوا صلتهم بقرائهم.

فقد شهد العصر العباسي في أوج ازدهاره حركة تجديد شاملة في الأغراض والمعاني وطريقة الأداء، قوامها التناسب والانسجام بين الشكل والمضمون، تجاوب فيها أصحابها تجاوبا حميما مع القرّاء، إذ اقتربت لغة الأدب من لغة الحياة اليومية، دون وقوع في السوقية والابتذال، وغنمت من اتّصالها بالواقع وبالناس حرية وطلاقة، لأن مبدعيها راعوا مستوى جمهورهم وذوقه وميوله، وحرصوا على أن يكونوا أبناء زمانهم وبيئتهم، فكانت لغتهم وسطا بين الفصاحة والكلام العادي، وكأنهم جعلوا شعارهم قول القائل “البلاغة ما رضيتْهُ الخاصّة، وفهِمتْهُ العامّة”.

جاء في طبقات الشعراء لابن قتيبة قوله “إنّما نَفَقَ شعرُ أبي نواس لسُهولتِهِ وحُسنِ ألفاظِه، وهو مع ذلك كثير البدائع″.

وجاء في أغاني الأصبهاني قوله “كنّا كثيرا ما نقولُ للسيّدِ الْحِمْيَري: ما لَكَ لا تستعمِلُ في شعرِكَ من الغريب ما تُسألُ عنهُ كما يفعَلُ الشعراء؟ فقال: لأنْ أقولَ شعرا قريبا من القلوب يَلَذُّهُ مَن يَسمَعُه، خيرٌ من أن أقولَ شيئا معقّدا تَضِلُّ فيهِ الأفهام”.
وكلنا نذكر قصيد صفيّ الدين الحلّي “إنما الحَيْزَبونُ والدَّرْدَبيسُ” الذي ردّ فيه على الذين استنقصوا شعره لسهولة ألفاظه ووضوح معانيه، وجاء فيه، بعد أن عدّد في البيتين الأولين ألفاظا من حوشيّ الكلام مثل الطّخا والنّقاخ والعَطْلبيس “قولهُ إنما هي: “لغة تنفُر المسامعُ منها/ حين تُروى وتَشمئزّ النّفوسُ – وقبيحٌ أن يُذكَرَ النافرُ الوحْـ/ ـــشيُّ منها ويُتركَ المأنوسُ”.

وقريب منه قول محمود درويش “أجملُ الاْشعار ما يحفظه عن ظهر قَلبْ/ كـلُّ قارئْ/ فإذا لم يشربِ الناسُ أناشيدَك شُربْ/ قُـلْ..أنا وحـديَ خاطـئْ”.

كاتب من تونس مقيم في باريس

15