أجمل الصفعات

الأحد 2016/09/25

أول لمسة وأول همسة وأول صفعة تأتي من القابلة، إنها أول امرأة تلتقيها على عتبة الحياة، تسحبك إليها، تصرخ في وجهها احتجاجا، فتمسكك من كاحليك، ثم تقلبك على رأسك كي لا تعتاد رؤية العالم من زاوية واحدة، بعد أن تقطع حبلا كان يغذيك في أول تلويح بالعقوبات الاقتصادية، مستعملة في ذلك أول آلة بشرية مخيفة تلمحها عيناك الناعستان واسمها: المقص.

القابلة تعرف الناس قبل أنفسهم وأسمائهم وأهاليهم، تحفظ خرائط أجسادهم وأسرارها شامة شامة.. ثم تسلمهم إلى مصائرهم.

عرف عن القابلة الشعبية روح الفكاهة وسلاطة اللسان، كيف لا وهي التي تعرفت إلى الناس قبل أن يتعرفوا إلى الأثواب، وقبل أن يعتلوا المناصب والألقاب، لكنها تحتاج إلى زميلة لها عند الولادة، تماما كالحلاّق عند ضرورة حلاقة شعره أو طبيب الأسنان عند قلع ضرسه.

التقيت سيدة مسنة وعزباء اسمها “عيشة” كانت تعمل قابلة قانونية في المستشفى اليتيم الذي تركه الفرنسيون في بلدتي المنسيّة، اشتممت في يديها وابتسامتها أمومة فائضة.. إنها صاحبة أوّل وألطف صفعة أتلقاها قبل أن أبصر الشمس.

حضنت عيشة مئات الرضع من الأطفال وبشّرت مئات الآباء المنتظرين في الممرات، ومشت حتى في جنائز من ولّدتهم.. لكنها لم تجد الرجل الذي تبشّره زميلة لها بقدوم طفله.

من الناس من يفني حياته مدافعا عن اسم أو مؤسّسا له، ومنهم من يحتمي تحت مظلة اسم، ومنهم من يأتي ويمضي غير عابئ بالأسماء، إنها معضلة الهوية والانتماء بعد أن نغادر حضن القابلة في اتجاه أحضان كثيرة أخرى، كالجنس والأسرة واللغة والدين وحتى الوطن.

نولد عراة وتبدأ مرحلة الإكساء ومتاهة التصنيف، وحمّى التعريف التي طالت حتى الجنس الحيواني.

ثمة أفراد يكبرون ببلدانهم وثمة بلدان تكبر بأفرادها، فالعربي الذي يتجول في مدن الغرب، قد يشاهد أشخاصا لا يستحقون هوياتهم وهويات وجوازات لا تستحق حامليها.. فيتألم لهذا التوزيع الجائر.

كيف يستظل متسكّع وأرعن إنكليزي أو فرنسي أو نمساوي مثلا بإرث شكسبير وبودلير وموزارت، دون أن يعرف أو يتذوّق إبداع هؤلاء؟! أليس مثقف الضفّة الأخرى أولى بالامتيازات التي تمنح لهذا المتسكع في بلده؟

أليس لوي ماسينيون الذي حقّق كتاب “الطواسين” أقرب إلى الحلاّج ممّن صلبوه، أو ليس بلاشير في الشعر الجاهلي أقرب لطرفة بن العبد من قبيلته التي طردته؟

كم من انتماء أخجل صاحبه وكم من مبدع رفع من شأن حاملي جنسيته، وقال له البسطاء من الطيبين “الله يرحم القابلة التي ولّدتك”.

العنصريون قوم صغار لأنهم يحاسبونك عمّا لم تختره، وينظرون في جيوبك قبل أفكارك، الجيوب التي تحوي النقود وبطاقة الهوية.

أمّا القابلة فتفرح دائما، ولم تقل يوما لأب وهي تبشره “لماذا لم تستخدم مانع الحمل؟”.

24