"أجنحة في زنزانة" ذاكرة الرعب بين جدران رطبة

الأربعاء 2015/02/04
مفيد نجم اعتصر ذاكرته واستحضر لنا ماضي السجن والاعتقال بصدق وعمق

إنه الاعتراف الأكثر صعوبة؛ مواجهة الذات إلى حدّ التعب، بعد ما يقارب العقدين من الزمن، الكاتب والناقد السوري مفيد نجم، الذي تعرّض للاعتقال بسبب آرائه السياسية وله العديد من الإصدارات والمقالات والدراسات الأدبية، يفتح شبّاك الذاكرة ليواجه ألمه دفعة واحدة، رغم تردّده في الكتابة عن تلك الفترة مرّات ومرّات، إلا أنّه استسلم أخيرا لبوح الذاكرة، إنها الذاكرة المتعبة من الاعتقال والسجن وظروف التعذيب والإذلال الذي مارسه نظام البعث على السوريين بشكل ممنهج ومدروس، لقتل كل ما هو جميل في الإنسان.

في عمله الجديد “أجنحة في زنزانة”، الذي فاز بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة عن فئة اليوميات في الدورة الأخيرة، يحاكي مفيد نجم نفسه من خلال الفصل بين روحه وجسده، ليبدأ بالاعتراف الكامل دون مواربة، وبوضوح لا يشق له غبار لآخَره، بأنّ كتابة السيرة ما هي إلا فعل خيانة من نوع ما، ولكنها خيانة يمليها منطق الكتابة من الداخل وضروراتها، لكي لا تموت الحكاية مع صاحبها، فالصمت مقبرة الحياة، فإن تركَ الإنسان حكايته للنسيان والصمت سيصبح ذاكرة للموت.


مواجهة الذات


يبرز الحديث عن سنوات السجن الأولى -ولا سيما السنتين الأولى والثانية منها على وجه التحديد- التي تُمثِّل في عقل مفيد نجم السنوات الأصعب والأقسى على الإطلاق، حيث كان مع آخرين هناك متروكين لأقدارهم الغاشمة، بما فيها الموت دون أيّ اهتمام أو اكتراث، الموت تحت التعذيب أو جوعا أو دون رعاية صحيّة، قسوة البدايات كما يسمّيها نجم، تكمن في صعوبة الاحتمال والتكيف مع تلك الأوضاع التي خطّط لها ونفّذها نظام حافظ الأسد عن سبق إصرار وترصّد، وفي هذا الحقل نلاحظ ظهور شخصيات في العمل كان لها حضور في تاريخ سوريا الحديث والتي أقصاها الأسد الأب وأودعها السجن في أوضاع وممارسات لا يمكن أن يتخيّلها العقل البشري.

هنا ينقل مفيد نجم الإنسان تجربته التي عاصرها كاملة في مواجهة مع الذات والآخر حتى مع الأشياء التي بدأ يخافها أو حملَها معه من السجن، كصوت الجرس المخيف الذي اختزنه في عقله الباطن، معلنا أنّه لا يزال يخاف إذا ما سمع صوتا مشابها بعد مرور ما يقارب العقدين على حريّته.

مفيد نجم: الإنسان ينقل تجربته التي عاصرها كاملة في مواجهة مع الذات والآخر

إنها ذاكرة الرعب التي وضعها مفيد نجم بلغة نافذة واضحة تلامس الروح مباشرة، وتستقرّ في النفس لتستدعي لاشعوريا حالة من التوتر والانتباه والقلق، حالة الصدق الموجودة في عموم النص يستطيع القارئ أن يلامسها بمجرّد أن يبدأ العتبة الأولى، وهذا ما يؤكّده التخطيط الجغرافي الذي رسمه مفيد نجم بدقّة وعناية بالغتين لأقسام وأشكال السجون التي مرّ بها، هذه الحقيقة الجغرافية التي تعطي بعدا من الصدق والواقعية نلحظها في مواقع عديدة أبرزها حديث الكاتب عن سجن صيدنايا الشهير المصمم على شكل شارة المرسيدس من ثلاثة طوابق، وكل طابق يتألف من ثلاثة أجنحة (أ- باء- جيم)، وكل جناح ينقسم إلى جناحين (ألف يمين- ألف يسار)، على جانب الدرج الأيسر النازل إلى ساحة التنفس كانت هناك مجموعة من المهاجع الصغيرة، تمّ طلاء أبوابها باللون الأسود، وكان من الصعوبة بمكان معرفة من هم السجناء الموجودون بها بسبب السرية الكبيرة التي كانت مفروضة عليها. القسم السفلي من السجن يتألف من ثلاث طبقات أيضا تحت الأرض.

ويذكر نجم المحاكم الميدانية التي كانت بمثابة مهزلة، يؤخذ السجين إليها مخفورا ببطانية تغطيه من أعلى رأسه حتى قدميه، وتحت لسع السياط من قبل عناصر السجن، الذين كانوا يحتشدون أمام المكان، أو في الممرّ الواصل لمقر المحكمة، في حين لم تكن مدة المحاكمة تتجاوز خمس دقائق، وغالبا ما كان السجين يتعرض للضرب داخل المحكمة، من قبل مرافقه.

هذا الصدق المليء بمحاولات مفيد نجم عصر الذاكرة واستذكار الماضي واستحضاره دفعة واحدة، دفعته في مواضع عدة من العمل إلى تقييم مناحي الحياة التي كانت سائدة في ذلك الوقت، وعلاقة النظام الديكتاتوري الحاكم للبلاد وسطوة الجلّاد على كل شيء، والفساد الذي انتشر في كل مناحي الحياة، وغياب الناموس الناظم للحياة المتَمَثّل في العدل.


ذاكرة السجن


رغم مرور عقدين تقريبا على حريّة مفيد نجم إلا أنّه -وذلك واضح في النص- لم يستطع التخلّص من ذاكرة السجن، الذي ما زال محفورا في عقله الباطن بشكل أو بآخر، ليس على المستوى النفسي وحده، وإنّما على المستوى الشخصي.

ثم إن الزمن في السجن ليس كالزمن خارجه مع احتفاظه بقيمته التسارعية، إلا أنه في السجن هناك فائض من الوقت لفعل كلّ شيء، للزمن هناك ثمة إيقاع ثقيل لزج ومدمّر، إنه أشبه بطاحونة تلوك العمر كلّه، دون أن نكون قادرين على إيقاف دورانها المرعب، وسط ذلك الفراغ المروّع لحيوات مستلبة مقموعة مصادرة، ومحكومة بمشيئة قوّة الأمن والعسكر وتسومها صنوف القهر والإذلال.

الكتاب الذي قدّمه مفيد نجم لا يقف فقط عند سرد الأهوال والآلام التي مرّت بها أجيال من السوريين خلال بداية الثمانينات، بل يتعدّى ذلك إلى ما بعد الحريّة الموعودة التي تأطّرت بمراجعات أمنية جعلته يعيش عالم الغربة داخل الوطن، الغربة عن كل شيء. فخلال صفحات العمل تراه يحاول التحرّر والطيران، وربما اختيار العنوان “أجنحة في زنزانة” له علاقة بفكرة الانعتاق والتحرّر من ذلك الإرث السحيق، الذي فرضه العسكر ورسّخته أجهزة المخابرات والأفرع الأمنية.

الكتاب لا يقف عن سرد الأهوال التي مرت بها أجيال من السوريين خلال الثمانينات، بل يتعدى ذلك إلى ما بعد الحرية

ويبرّر مفيد نجم لنفسه خروجه من الوطن، إذ طلب من سجّانه السماح له بالمغادرة، وكأنّه يقول له لقد هزمتني في هذه الجولة، سأترك لك البلاد بطولها وعرضها، فاسمح لي أن أستقل طريق المطار، فهو أقرب الطرق إلى الحرية التي أريد.

عندما سألت مفيد نجم ذات مرّة عن الليلة الأخيرة التي قضاها في سوريا قال لي إنّه ظلّ يمشي طيلة ساعات الليل، ظلّ يلفّ شوارع الشام، كان يريد أن يودّعها للمرة الأخيرة، فقد سمح له السجّان أن يخرج مرّة واحدة دون عودة.

يعتبر مفيد نجم أنّ تجربة السجن والمعتقل علّمَته أن القراءة هي بنت المكان والزمان، ذلك لأن مزاج الإنسان وطبيعة اهتماماته وإحساسه بالجمال، تختلف باختلاف طبيعة التجربة، التي يعيشها هذا الإنسان، أو باختلاف المكان والزمان.

وتتعدّى مقاربات نجم لتشمل المرحلة الجديدة من تاريخ السوريين الذي انطلق منذ مارس 2011 حين طالبوا بحرّيتهم وحقوقهم، ربما شعر مفيد نجم بردّ الاعتبار له ولجيله من المعتقلين خلال سماعه أصوات السوريين في مختلف المدن تطالب بالحرية التي تمّت مصادرتها منه عنوة.

كتاب “أجنحة في زنزانة” فاز بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة في دورتها الحادية عشرة، والتي يمنحها سنويا المركز العربي للأدب الجغرافي -ارتياد الآفاق في أبوظبي- حيث تمّ الإعلان عن النتائج في دولة الإمارات العربية المتحدة عن الأعمال الستة الفائزة في الدورة الجديدة (2014-2015)، وقد حصل “أجنحة في زنزانة” عن جائزة اليوميات، وسيتمّ نشر العمل عن دار السويدي في أبوظبي بالتعاون مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت.

15