أجنحة في زنزانة عقدان من الألم اللاإنساني

يعاب على الأدب العربي تقصيره في مجال روايات الخيال العلمي، أو روايات الخيال بشكل عام، لكن السبب الواضح حسب رأيي أن الأدب الحقيقي الذي يكتبه الأديب العربي هو أدب السجون، خاصة الرواية التوثيقية وتتمتع بدرجة عالية من سلاسة الأسلوب وعمق المشاعر الإنسانية وملامسة شغاف القلب، إلى درجة تشعر أنه لا يوجد فرق يذكر بين الحياة داخل السجن وخارجه، فالوطن سجن كبير في غياب الحرية والكرامة.
السبت 2015/06/13
مفيد نجم: كنت أحاول أن أفهم كيف يمكن للنفس الإنسانية أن تختزن كل هذا الدافع للعنف

رغم كثرة الروايات العربية التي تحدثت عن السجون فإن رواية مفيد نجم "أجنحة في زنزانة" تشبه القصيدة، هذا هو الانطباع الذي تركته في نفسي -وأزعم في نفوس الكثيرين كذلك- لأنها تتمتع بشفافية عالية في الغوص عميقا “في النفس البشرية وبصدق عفوي يعتمد المباشرة في تحليل المشاعر والأفكار مبتعدا” عن الفذلكات الكلامية والنظريات الجامدة.

الدرس القاسي

لفتت انتباهي عبارة في منتصف رواية “أجنحة في زنزانة” للكاتب السوري مفيد نجم، أحب أن أبدأ بها تحليل الرواية التي يحكي فيها مؤلفها عن تجربته في عدة سجون سورية منذ عام 1982 ولمدة ثلاثة عشر عاما، يقول “الغريب أن تصفية النظام الواسعة لقوى المعارضة له على اختلاف درجات مواقفها منه، كان يقابلها تواطؤ، وصمت دولي على تلك الممارسات القمعية وعمليات الانتهاك المنظمة للحريات والقضاء على الحياة السياسية في سوريا”.

ومنذ لحظة اعتقال بطل الرواية (مفيد نجم) يدخل في طور جديد من التحول إذ يصبح اسمه الرقم 13، وأصبح الرقم علامة وجوده الوحيدة، لقد تحوّل إلى مجرد ظل عابر لوجود عابر، ورغم أن رواية أجنحة في زنزانة تشترك مع غيرها من أدب السجون في وصف وحشية عمليات التعذيب والتحقيق وتنفيذ أحكام الإعدام، إلا أن نجم يصوّر معاناة الإنسان من الداخل الأكثر عمقا في النفس البشرية فيشعر أن الزمن أصبح أشبه بطاحونة تلوك عمره وأعمار السجناء، يصف عمليات التعذيب الرهيبة في السجون السورية التي تنقل بها؛ “كنت بعد كل حفلة تعذيب كمن يتهاوى في عماء كلي، من طبقة إلى أخرى بخفة عجيبة، دون أن يكون ثمة تخوم أو قرار، كنت أشبه بأعمى تتقاذفه أمواج الظلمة في عالم من الظلام، لا أحس بشيء ولا أعي شيئا”.

حياة المعتقل داخل السجن لا قيمة لها؛ فالتجويع سياسة يتبعها السجان، وانعدام وسائل النظافة وما تجرّ إليه من أوبئة وأمراض وخاصة الجرب، وانعدام الخصوصية حيث تنحشر الأجساد متراصة بعضها لصق بعض إلى درجة يتناوب فيها السجناء على النوم أرضا “وثمة سجناء آخرون يقضون الليل واقفين لانعدام المساحة، كان السجناء يتنفسون الهواء الخارج من رئاتهم، وكل شيء يعمل لتحقير إنسانيتهم وكرامتهم وتحويلهم إلى أشياء يراد لها أن تفقد كل شعور بالهوية والقيمة الإنسانية، أمام هذا اللامعقول من الوحشية والانتهاك لكرامة السجين.

يوميات تحكي تجربة عقد ونصف في السجون السورية حازت على جائزة ابن بطوطة لأدب اليوميات

ازدواجية الإنسان

يصف مفيد نجم معاناته في سجن المزة العسكري، حيث يستقبلون المساجين بحفلات تعذيب مروعة ويحشرونهم في أقبية مظلمة تعجّ بالجرذان وتقفز الجرذان ليلا” على رؤوس السجناء، وتظهر بقع مخضرة على أجسادهم بسبب القذارة والحاجة للاستحمام بالماء والصابون، والمروّع أن الأحكام غالبا “ما تكون جاهزة للسجين ومهمة المحكمة ويصف ما يسمى بالطاحونة وهي طاحونة الموت التي تقع خلف مبنى الإذاعة والتلفزيون والتي سيطرت عليها سرايا الدفاع وفيها تتم أفظع عمليات التعذيب والإعدامات كما لو أن النظام قد قرر أن يجعل من المعتقلين درسا “قاسيا” لباقي السوريين، فلم يكن يعنيه من هو بريء أو غير بريء ولا مستعدا للتدقيق في وضع السجناء لأن غايته هي تركيع السوريين لزمن طويل.

الفكرة الذكية والتي لا يبلغها إلا متعمق في النفس البشرية هي أن العديد من السجناء كانوا يلجأون إلى التعبد والصلاة حتى لو لم يكونوا مؤمنين، لأن هول التعذيب والتجويع والمعاناة وكبت الغرائز وكل الممارسات التي تهدف إلى تحطيم كرامة الإنسان تجعله يلجأ إلى قوة عليا علها تنقذه من الجحيم، يقول نجم “عبرنا تلك السنوات الطويلة في السجون بأرواح ممزقة وعارية وحياة منتهكة، ونفوس تختنق بالألم والعذاب والقهر والسأم، وسط تلك الحالة المريعة من الموات التي كان الزمن أشبه ببحيرة راكدة لا ضفاف لها”.

لكن الإنسان يملك دوما “طرقا” للهروب من الواقع ولتعزية نفسه، كان نجم يجد في الخيال محرره من واقع السجن فيطلق خياله إلى تخيل مدينة دمشق التي يعشقها، وذات يوم يرى من كوة السجن رجلا “يصعد حافلة فيزقزق قلبه فرحا” ويتمنى أن يكون ذلك الرجل ويحاول تخيّل مشاعره.

رواية كل السجون التي تنتهك وتدمّر حرية الإنسان
الشارع هو حلم مستحيل للسجين! المرأة أيضا “كم هو لا إنساني وصعب مقاومة ذلك الشغف للمرأة، للصدر الحنون وللرغبة. السجن يمسخ الإنسان، سواء كان هذا الإنسان داخل السجن أم خارجه، لأن القبضة الأمنية تجعل المجتمع بأكمله بحالة ذعر، بحالة استنفار كما لو أن كل مواطن ينتظر تهمة ما تسقط عليه كيفما اتفق، ولا يهمّ التدقيق ببراءته أو جرمه، فالمهم أن تكون رقبتك في قبضة الأمن.

وفي هكذا أنظمة استبدادية الكل يراقب الكل فيمكن لرئيس فرع الأمن أن يكبس زرّ الأنترفون ويتلصص على التحقيق الذي يجريه الضابط مع السجين. الكل يراقب الكل، ولا أحد يثق بأحد”.

وأخيرا أحب أن أختم بعبارة وردت في رواية مفيد نجم “أجنحة في زنزانة” حين يصف المحققين والجلادين: كنت أحاول أن أفهم كيف يمكن للنفس الإنسانية أن تختزن كل هذا الدافع للعنف.

شخصية تعيش ازدواجيتها دون أن تشعر بالعار، بل تضفي على دورها قيمة وطنية، وأعماقها فارغة من أي حسّ إنساني وأخلاقي.

أجنحة في زنزانة ليست رواية السجون السورية فحسب بل هي رواية كل السجون التي تنتهك وتدمّر حرية الإنسان وكرامته وهي رواية المواطن الذي يمكن أن يتحوّل في لحظة من السجن الكبير بمساحة وطن إلى قبو التعذيب، بتهمة أو بدون تهمة.

حازت هذه اليوميات التي كتبها الناقد مفيد نجم عن تجربته لعقد ونصف العقد في السجون السورية على “جائزة ابن بطوطة لأدب اليوميات” التي يمنحها “المركز العربي للأدب الجغرافي” الذي يرعاه الشاعر محمد أحمد السويدي ويشرف عليه الشاعر نوري الجراح، وذلك في الدورة الحادية عشرة للجائزة.

17