أجنحة وأطفال

الجمعة 2014/01/17

قديما قال ابن رشد لأحد مريديه حين تمّ حرق كتبه: “..إذا كنت تبكي الكتب المحروقة فاعلم أن للأفكار أجنحة وهي تطير لأصحابها”. هذه المقاربة تنطبق تماما على ما ورد مؤخرا من أنباء عن نجاح زوجة أسير فلسطيني مسجون في إسرائيل في أن تضع مولودا ذكرا، حملت به من خلال نطفة هرّبت إلى قطاع غزة، ليولد المولود سليما معافى.

مهما يكن من أمر الحادثة التي سبقتها حوادث مماثلة، حيث أدّت عمليات تخصيب لزوجات سجناء إلى حمل ست منهن في الضفة الغربية المحتلة سنة 2013، مع تطوّر العيادات الطبية وزيادة الوعي الاجتماعي، ومباركة علماء الدين والأهالي لمثل هذه العمليات.

أتذكر، الآن، حوارا جمعني ذات صيف بالفنان اللبناني مارسيل خليفة، سألته حينها، عن معنى الالتزام في الأغنية؟ فأجابني: الالتزام فعل نشربه مع الحليب.

إجابة على بساطتها، عميقة في معانيها، فالأغنية الملتزمة، ليست أغنية مناسبات، ولا أغنية “فضّ مجالس″ عاطفية ألمّت بنا مع أول نكبة طارئة، وما هي استعراض لصوت يغرّد مع السرب زمن الحرب، وانتهى..

الالتزام، أن تكون هنا، أن تقول “لا” في زمن الصمت، أن تنشد الحرية حتى وقت الحرية، فالحرية ليس لها حدود، الحرية كائن خرافيّ أوّله في السماء وآخره في العلياء.

الفكرة طفل، والطفل حرّ أو لا يكون، والحرية إيمان بقضيّة، إن أهملناها، أو تناسيناها، حالت بيننا وبين أمانينا، وإن رعيناها نمت أكثر وأزهرت، وصارت أكبر، وحقّ حينها للأرض أن تستردّ عافيتها وللوطن أن يرى حماه.

ولننتهيَ إلى إقرار أكيد، فإن القضايا العادلة، مصيرها النصر إن آجلا أو عاجلا، هكذا يحدّثنا التاريخ.. فبين الفكرة المجنّحة والنطفة المهرّبة، ولادة وتواصل، وحدها الأفكار تتوالد بعضها من بعض، ووحده الإنجاب المتعاقب يفرز أجيالا مقاومة، مؤمنة بقضية قد ينهكها تلكّؤنا، تباطؤنا، وربما، “تناسينا” في زحمة انشغالاتنا اليومية، وما أكثرها وأقساها، في زمن الفردانيّة المقيتة.

لكنّ الأمل، كلّ الأمل يعود مع صرخة كلّ وليد جديد، قد يولد مهرّبا، وقد ينشأ عليلا بأوجاع الوطن، لكنّه سيكبر، قطعا، وفيه كثير من الحرية.

لا طائل البتة من البكاء، لا حاجة للعويل والنحيب، فالأفكار لا تموت، والإنجاب وفق ما تقدّم عابر للحدود، محطم لكلّ قيود الصلف والجبروت، وما الدواء المضاد لداء الاستيطان سوى الاستيطان.. في رحم أم ولاّدة تُرضع وليدها مع إشراقة كل يوم جديد قطرات حليب وتطعمه حبّات زيتون.. حينها فقط، لن يسقط غصن الزيتون.

16