أجنداتهم وأجنداتنا

الجمعة 2015/08/21

دخل مصطلح “أجندة” عالم السياسة في العالم العربي من باب ضيق. وبسبب سلطة وسائل الدعاية والإعلام وقوة تأثيرهما، فإن استعمال ذلك المصطلح لم يعد حكرا على رجال السياسة وكتابها، بل تعداهم إلى لسان رجل الشارع العادي، وإن صار ذلك الاستعمال أشبه بالمزحة الغامضة.

غالبا ما يدور الحديث عن أجندات الآخرين. أما أجنداتنا فلا أحد يقترب منها وقد لا تخطر على بال أحد. لذلك فلا أحد يسأل عنها. الآخرون متهمون من قبلنا باستعمال أجندات تضر بنا. أجندات هي موقع شبهة، لكن أحدا لم يوضح لنا فحوى تلك الأجندات، بقدر ما كانت المآسي والكوارث التي صنعها سياسيونا بأيديهم هي البرهان على وجود تلك الأجندات الخارجية المريبة.

فكل هزائمنا لم تكن من صنعنا وما كان لتلك الهزائم أن تقع لولا ما يخفيه الآخرون من أجندات وضعت لكي تكون هزائمنا ممكنة. ولأننا نهزم دائما فإن سجل تلك الأجندات لن يُطوى أبدا. إنه الصحيفة التي نعلن من خلالها براءتنا من المساهمة، ولو بقدر ضئيل، في ما جرى ويجري لنا من وقائع نحس. يغرينا موقف الضحية في الذهاب أبعد فنهب أعداءنا الافتراضيين قدرات جبارة وسحرية قد لا يملكونها.

فعلنا بأنفسنا ما لم تفعله أمة بنفسها من قبل. بل فعلنا بأنفسنا ما لا يجرؤ العدو على فعله بنا لو تمكن منا. غير أن أحدا لم يعترف بأن كل هذا الانهيار الذي صار يعلن عن نفسه في كل لحظة هو من صنعنا.

لا لأننا مهدنا له من خلال ثقافتنا فحسب، بل وأيضا لأننا كنا راغبين فيه، وهو موقف من الذات، وليس موقفا من الآخر الذي نزعم أنه يخترقنا بالمؤامرات والمكائد والدسائس.

ننظر من حولنا فنرى دولا وقد حطمت، شعوبا وقد شردت، ثروات وقد نهبت. نرى الميليشيات تحكم سيطرتها على شوارع مدننا. تقتل مَن تشاء وتسلب ما تشاء، في ظل مديح جماهيري منفعل بغفلته. نرى القتل ونتمنى أن يكون أقل، دون أن نسعى إلى إيقاف ماكنته التي هي من اختراعنا.

ننسى في لحظات الحماسة العقائدية أن هناك ملايين من أبناء شعبنا انضمت إلى لوائح الأمم المتحدة التي تحصي أعداد المشردين والنازحين واللاجئين والمهجرين، الذين كانوا إلى وقت قريب يقيمون في مدنهم وبيوتهم، ويذهبون إلى أعمالهم فيما يذهب أولادهم إلى المدارس مثل أولادنا.

تغلغل عفن الفساد في أجسادنا ملوثا كريات الدم البيضاء والحمراء برائحته، ولا نطالب بفتح مستشفيات لمعالجة ذلك الداء الذي انتقل من الأيادي إلى القلوب. وبدلا من أن ندين الفاسدين، صار البعض منا يبحث عن منفذ يتسلل من خلاله إلى جينات الفساد التي تمددت ونجحت في صنع عالم مجاور لعالمنا، الذي ازداد قبحا. ألا تنطوي كل تلك المظاهر على أجندات محلية تتناغم مع الأجندات الخارجية إن صح وجودها، ليؤلفا سوية قاموس انكسارنا وفسادنا وعارنا؟

لقد تخيل سياسيونا أنهم عن طريق التركيز على أجندات الآخرين يفرون بنا من مواجهة أجنداتنا. ولم يفعلوا ذلك رغبة منهم في حمايتنا من تسمية العار باسمه الحقيقي، بل لأن تسمية العار باسمه الحقيقي يمكن أن تهدينا إلى الجهات التي صنعت ذلك العار. وهي الجهات نفسها التي أوهمتنا بأن أجندات الآخرين هي المسؤولة عما وصلنا إليه من ترد على جميع الأصعدة.

ولكن المسألة كلها انما تتعلق بسؤال واحد هو “لو كان لدى الآخرين أجنداتهم لتحطيمنا فما الذي منع من أن تكون لنا أجندات تعيننا على الصمود بدلا من تلك الأجندات التي كانت المصدر الأساس لهزيمتنا”؟ كان علينا قبل أن ننغمس في صب اللعنة على الآخرين بسبب أجنداتهم أن نتساءل “ألا نستحق اللعنة بسبب أجنداتنا؟”.

كاتب عراقي

8