أجندات أردوغان المختلقة لا تجمّل واقع تركيا المختنق

المهمة الأساسية للمعارضة التركية تكمن في البدء بالحديث عن الاقتصاد كما فعلت مع مشروع قناة إسطنبول وشرح خطط الخروج من الأزمة.
السبت 2020/02/15
المزيد من الأعباء الاقتصادية

رغم أن هناك الكثير من الأخبار المختلقة التي تجذب اهتماما كبيرا في تركيا، إلا أن موضوعين يتصدرّان المشهد هذه الأيام: الأول هو مشروع قناة إسطنبول، والثاني قضية إرسال جنود إلى ليبيا، التي تمزقها الحرب. وإذا نظرنا بعمق نستطيع أن نرى أن هذين الموضوعين هدفهما إلهاء الرأي العام عن مشاكل البلاد الحقيقية.

القضية الأكبر التي لا يريد المسؤولون أن يناقشها الرأي العام، هي أن البلاد تعاني من أزمة اقتصادية. وبين حين وآخر، يخرج وزير ما ليقول إن وضع الاقتصاد جيد، لكن المواطن العادي في الشارع يعرف من تجربته الخاصة أن هذا غير صحيح.

ومع ذلك يخشى الأتراك الجهر بذلك، كي لا يتعرضوا لمشاكل أو ينتهي بهم الحال في السجن. ولذلك لا يستطيع أحد أن يتفوه بكلمة واحدة عن المشكلة.

لا تزال استطلاعات الرأي تظهر أن القاعدة المؤيدة لحزب العدالة والتنمية الحاكم ستظل تصوّت له، رغم الأزمة. وفي كل الأحوال، يبدو أن دواعي الحيطة والحذر تستلزم الحديث عن أمور مثل مشروع قناة إسطنبول وليبيا، بدلا من الأزمة الاقتصادية.

وفي الآونة الأخيرة، صارت بيانات الحكومة وتصريحاتها تؤكّد كيف ستكون قناة إسطنبول هبة للاقتصاد. غير أن الكثير من المشروعات التي يدّعي الحزب الحاكم أنها ستحقق النمو الاقتصادي، تهدف فقط إلى إثراء الشركات القليلة التي تفوز بمناقصات وعطاءات البناء، بينما أغلبية المواطنين غير راضين في الحقيقة عن هذه المشروعات.

أحد تلك المشروعات التي لم تخضع لمناقشات كافية هو مشروع مطار إسطنبول الجديد، الذي بُني رغم جميع تحذيرات الخبراء والمدافعين عن البيئة.

لديّ فضول حقيقي لمعرفة كيف ساعد هذا المطار الاقتصاد، لأنه يصعب الوصول إليه بسبب وجود مشاكل في الرياح والضباب، ولأن النفقات المرتبطة به مرتفعة للغاية. يجب ألّا ننسى أيضا أن الزعماء والقادة الأجانب، بل والرئيس رجب طيب أردوغان نفسه، ما زالوا يستخدمون مطار أتاتورك القديم عندما يتوجّهون إلى إسطنبول.

ليس المطار الجديد فقط هو الذي يضر بالاقتصاد. على سبيل المثال، بدأت المشاكل التي جرى التحذير منها سابقا عند بناء الجسر الثالث فوق مضيق البوسفور تتكشّف الآن. فالتقارير تشير إلى أن الطرق التي تصل إلى الجسر تستنزف الكثير من الأموال عبر بوّابات الرسوم الآلية، ويسبب ذلك متاعب للسائقين الذين يحاولون استرداد أموالهم بسبب ازدواج دفع الرسوم، في وقت يتواصل فيه استنزاف أموال الخزانة لأن عدد السيارات المستهدف عبورها الجسر لا يمكن الوصول إليه.

من الصعب للغاية صرف انتباه الرأي العام في تركيا بإخفاء شيء كبير بحجم الأزمة الاقتصادية خلف أخبار مختلقة
من الصعب للغاية صرف انتباه الرأي العام في تركيا بإخفاء شيء كبير بحجم الأزمة الاقتصادية خلف أخبار مختلقة

خلاصة القول، إن مشروع قناة إسطنبول، إذا اكتمل أصلا، فإنه لن يكون صعبا ومكلفا فقط، بل يبدو أيضا أنه سيضيف المزيد من الأعباء الاقتصادية وسيدمّر البيئة المحيطة به.

في المقابل تزداد القضية الليبية تعقيدا يوما بعد يوم، لكنها لم تصبح بعد مربكة على النحو الذي باتت عليه سياسة تركيا في سوريا. وبطبيعة الحال، فإن خلف الستار يوجد أثر لا يمكن أن ينكره أحد لخطوة إعادة ترسيم الحدود التي نفذتها روسيا. لكن ما زال هناك سؤال حول ما إذا كان المرتزقة الذين أُرسلوا من سوريا للقتال في ليبيا سيحصلون على الجنسية التركية.

وبالنظر إلى قضيتي قناة إسطنبول وليبيا، فإننا نستطيع أن نرى أن هاتين القضيتين لا تحدثان استقطابا مماثلا للذي تسببتا فيه في الماضي. ومن ثم، فإنهما لن تناسبا أهداف حزب العدالة والتنمية بشكل كاف. أما في ما يتعلق بإجراء انتخابات مبكّرة من عدمه، فإن حزب العدالة والتنمية سيجد صعوبة في تحقيق الفوز باستخدام التكتيكات المثيرة للخلاف، التي استخدمها مرّات كثيرة جدا من قبل. وعلى الرغم من أن مشروع قناة إسطنبول يبدو أفضل دعاية لديه الآن، فإن ناخبي حزب العدالة والتنمية لا يؤيدون المشروع بقدر ما يعارضه من يقفون ضدّه.

ومن الممكن النظر إلى مشروع القناة على أنه أشبه بخطط الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرامية إلى بناء جدار عظيم على الحدود مع المكسيك، فتكلفة بناء المشروع مرتفعة للغاية، وأثره لن يكون كبيرا، لكنه في الحقيقة أداة مفيدة يمكن استغلالها خلال الانتخابات.

وعندما يختلق السياسيون في تركيا وفي أنحاء العالم أخبارا، تتبادر إلى ذهني شخصيتا ليكس لوثر والجوكر العدوّين اللدودين لسوبر مان وباتمان، عندما قالا إنهما سيعيشان حياة طبيعية وسيدخلان في شراكة. فعلى الرغم من أن بطلينا لا يصدقانهما، نجدهما يفشلان عندما يحاولان الإمساك بهما في حالة تلبس، لأن ليكس لوثر والجوكر لا يملكان أي خطط. ويستغل المجرمان تحامل سوبرمان وباتمان في البداية لوضعهما في موقف صعب، وبعد ذلك يحاولان تشتيت انتباههما لتنفيذ جريمة سرقة كبرى كانا قد خططا لها. وعلى الرغم من أن خداعهما الطويل يؤثر على البطلين، نجد الشريرين قد أُلقي القبض عليهما في النهاية.

ومنذ زمن طويل، يستفيد السياسيون من اختلاق أجندات الأخبار في دول بعينها، لكن الأمر الذي لا مفر منه هو أن خططهم تفشل عند نقطة ما، كما كان الحال مع ليكس لوثر والجوكر. وحتى إذا صدّق الناس تلك الأجندات الكاذبة في البداية، فإنهم يكتسبون حصانة منها بمرور الوقت. وعلى وجه الخصوص، عندما تصبح حياتهم اليومية صعبة للغاية، فإن جميع المشاكل، باستثناء الاقتصاد، تصبح بلا معنى.

ومن الصعب للغاية صرف انتباه الرأي العام بإخفاء شيء كبير بحجم الأزمة الاقتصادية خلف أخبار مختلقة. وقد تصدرّت المعارضة المشهد في انتقاد مشروع قناة إسطنبول، مما جعل الرأي العام يشعر بالمزيد من الارتياح لفعل المزيد، دون الخوف من التداعيات. والمهمة الأساسية للمعارضة الآن هي أن تبدأ في الحديث عن الاقتصاد كما فعلت مع القناة، وتؤكد أن وجود أزمة اقتصادية يضر بالناس، وتشرح خططها للخروج بالبلاد من هذه الأزمة. وإذا لم تفعل المعارضة هذا، فستصبح تركيا أقرب إلى حافة الهاوية بتمسكها بتلك الأخبار المختلقة.

6