أجندات انتخابية وراء إمعان أردوغان في استعداء ماكرون

الرئيس التركي يسوق الإجراءات الفرنسية لمكافحة الإرهاب على أنها استعداء للمسلمين ما يخدم أجنداته داخليا وخارجيا وأيضا ضرب الرئيس إيمانويل ماكرون انتخابيا.
الخميس 2020/10/29
شخصنة الأزمة تعري مزاعم أردوغان

في وقت نددت فيه الدول الإسلامية بالرسوم المسيئة للنبي محمد واستنكرت في ذات الوقت ذبح المدرس الفرنسي صامويل باتي على إثر نشرها، يواصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان النفخ في لهيب الأزمة، ما يعكس رغبة في إطالة أمدها حتى بلوغ أهدافه التي يؤكد مراقبون أنها سياسية بامتياز.

لندن- دعا وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب الأربعاء، الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) للوقوف معا دفاعا عن قيم التسامح وحرية التعبير، في توبيخ مستتر لتركيا العضو في الحلف التي تقود حملة تحريض ضد باريس، فيما يقول دبلوماسيون غربيون إن أنقرة وجدت في توظيف حادثة ذبح المدرس صامويل باتي وما صحبها من إجراءات فرنسية فرصة مواتية لتصفية حساباتها السياسية مع باريس التي تقود جبهة أوروبية في مواجهة الأجندات التركية على عدة جبهات.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد اتهم باريس باتباع نهج مناهض للإسلام عقب إعلان نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون عزمه على مواجهة التطرف الإسلامي والانفصالية الإسلاموية في بلاده.

وقال أردوغان، الأربعاء، إن الدول الغربية التي تسخر من الإسلام تريد “إعادة الحملات الصليبية”. وأضاف أردوغان في كلمة ألقاها أمام نواب حزبه (العدالة والتنمية) في البرلمان، أن الوقوف في وجه الهجمات على النبي “شرف لنا”، بما يشير إلى أن أنقرة ربما تستعد لخلاف طويل الأمد بشأن القضية.

وتابع “يريدون حرفيا إعادة إطلاق الحملات الصليبية. منذ الحملات الصليبية، بدأت بذور الشر والكراهية تتساقط على تلك الأراضي (المسلمة) وكان هذا هو الوقت الذي تبدد فيه السلام”.

دومينيك راب: يجب أن نتكاتف وألا نمنح الإرهابيين أبدا شرف شق صفوفنا
دومينيك راب: يجب أن نتكاتف وألا نمنح الإرهابيين أبدا شرف شق صفوفنا

ورغم أن الإجراءات الفرنسية تستهدف تحديدا نشطاء الإسلام السياسي والمتشددين الإسلاميين، إلا أن الرئيس التركي يسوقها على أنها استعداء لكافة المسلمين، ما يخدم أجنداته داخليا وخارجيا.

وداخليا، تخدم الحملة التي يقودها أردوغان منذ أيام ضد باريس ترميم شعبيته المتآكلة تحضيرا لانتخابات رئاسية تؤكد تقارير إعلامية ومصادر سياسية إمكانية إجرائها في 2021 بدلا من 2023 جراء التدهور الاقتصادي الذي تعيشه البلاد.

وأما خارجيا، فإن أردوغان يهدف إلى ضرب ماكرون انتخابيا كذلك وتحميله مسؤولية سلامة الفرنسيين وأمنهم في صورة تضرر مصالحهم الاقتصادية وتعرض سلامتهم الجسدية للخطر، وهي مساع أكدتها الخارجية الفرنسية بدعوتها مواطنيها إلى توخي الحذر في الدول الإسلامية عقب تنامي مشاعر الغضب.

وعبر أردوغان صراحة عن ذلك عندما توقع الثلاثاء، أن لا تتم إعادة انتخاب ماكرون لولاية ثانية في انتخابات 2022 بسبب سياساته، في وقت يقود فيه الرئيس الفرنسي جبهة أوروبية لمواجهة الأجندات التوسعية التركية في كل من شرق المتوسط وليبيا وسوريا وصولا إلى إقليم ناغورني قره باغ الانفصالي في القوقاز.

ويرى النظام التركي بقيادة حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم في ماكرون حجر عثرة أمام أجنداته التوسعية، ووجد في شخصنة الخلافات السياسية وإكسائها بعدا دينيا سبيلا لتحجيم جهوده في مواجهة النفوذ التركي المتنامي في أوروبا.

وقال راب في بيان “بريطانيا متضامنة مع فرنسا والشعب الفرنسي في أعقاب القتل المروع لصامويل باتي”. وأضاف “الإرهاب لا يمكن ولا يجب أن يكون مبررا”. وتابع “أعضاء حلف شمال الأطلسي والمجتمع الدولي الأوسع يجب أن يقفوا كتفا بكتف وراء القيم الأساسية للتسامح وحرية التعبير وألا نمنح الإرهابيين أبدا شرف شق صفوفنا”.

وباتي مدرس بمدرسة حكومية على مشارف باريس، قطع رجل من أصل شيشاني رأسه يوم 16 أكتوبر، حيث تعرض المدرس لانتقادات من بعض سكان المنطقة لعرضه رسوما كاريكاتيرية للنبي محمد على تلاميذه في درس عن حرية التعبير.

ورأت الحكومة الفرنسية مدعومة من عدد كبير من المواطنين أن قتل المدرس اعتداء على حرية التعبير، وقالت إنها ستدافع عن الحق في نشر الرسوم. وأكدت باريس أنها “لن تستسلم” في ما يتعلق بدعمها لحرية التعبير على الرغم من ”الترويع”، في إشارة إلى حملة التحريض المتواصلة التي يقودها الرئيس التركي.

النظام التركي يرى في ماكرون حجر عثرة أمام أجنداته التوسعية ووجد في شخصنة الخلافات السياسية وإكسائها بعدا دينيا سبيلا لتحجيم جهوده في مواجهة النفوذ التركي

وقال المتحدث باسم الحكومة الفرنسية غابرييل أتال إن هناك ”وحدة أوروبية كبرى” في دعم فرنسا و”المبادئ والقيم التي تدافع عنها فرنسا”. وتتواجه باريس وأنقرة في عدد من الملفات، من التوتر السائد في شرق المتوسط والنزاع في ليبيا، مروراً بالاشتباكات في ناغورني قره باغ. وطالب الإليزيه مجدداً الأسبوع الماضي “أن تضع تركيا حداً لمغامراتها الخطيرة في المتوسط والمنطقة”، وندد بـ”السلوك غير المسؤول” لأنقرة في ناغورني قره باغ.

وقالت الرئاسة الفرنسية بخصوص التنقيب التركي غير المشروع عن الغاز في المياه الإقليمية اليونانية شرق المتوسط، “ثمة أمور ملحة مطروحة، لدى أردوغان شهران للرد. يجب إقرار إجراءات في نهاية هذا العام”.

والأربعاء، ذكر مصدر رفيع المستوى في فرنسا أن باريس تؤيد فرض عقوبات أوروبية على تركيا. وتحشد باريس منذ فترة للمضي في خيار فرض عقوبات اقتصادية واسعة على أنقرة لكبح تصعيدها في شرق المتوسط وانتهاكها للمياه الإقليمية لقبرص واليونان العضوين في الاتحاد الأوروبي.

5