أجندة اقتصادية روسية لا تعبأ بمتاعب الحرب في سوريا

يخبئ الحضور العسكري المكثف لروسيا على الأراضي السورية أجندة اقتصادية تستند إلى خطط استثمارية بعيدة المدى، تتصل بشكل خاص بحقول النفط والغاز السوري في البحر المتوسط، رغم إعلانها عن تأجيل الاستثمار فيها.
الاثنين 2015/10/05
الحرب دمرت معظم الاستثمارات الروسية في المناطق التي خرجت من قبضة النظام

بيروت- يبدو أن احتدام القتال في الحرب الأهلية في سوريا، أجبر موسكو على عدم الإسراع في ضخ المزيد من الاستثمارات، لتكتفي بالتركيز على منطقة الساحل المكتظة بأغلبية من العلويين الموالين للرئيس بشار الأسد. وقبل اندلاع الحرب في عام 2011، قالت غرفة التجارة السورية أن حجم الاستثمارات الروسية في سوريا بلغ نحو 19 مليار دولار.

وتشير التقديرات الرسمية إلى أنها ارتفعت خلال الأعوام الأربعة الماضية بمقدار مليار دولار إضافية، رغم الأضرار التي لحقت ببعض استثماراتها في المناطق التي خرجت عن سيطرة دمشق.

لكن يبدو أن تلك الأرقام مبالغ فيه بشكل كبير، بحسب جهاد يازجي، المحلل الاقتصادي السوري الذي كان يتحدث من بيروت إلى مراسل صحيفة “العرب ويكلي” الأسبوعية الصادرة باللغة الإنكليزية في لندن.

وتركز الاستثمارات الروسية على التنقيب عن النفط والغاز، رغم أن الحرب تسببت في عرقلة وتباطؤ خططها للتنقيب عن مزيد من الاحتياطات في الحقول البحرية. وتقول الحكومة الروسية إن دعمها للنظام السوري يهدف إلى مساعدته في محاربة الإرهاب ومنع مؤسسات الدولة من “انهيار كارثي”، لكن مراقبين يشككون في نواياها.

وتحتضن مدينة طرطوس على الساحل السوري قاعدة بحرية تعود للعصر السوفيتي تم إنشاؤها طبقا لاتفاق مشترك تم توقيعه في عام 1971. وكانت موسكو قد بدأت توسعة تلك القاعدة، وهي الوحيدة التي تمتلكها روسيا في الشرق الأوسط في عام 2009، لكي تسمح بمرور السفن والناقلات الكبيرة.

20 مليار دولار استثمارات روسيا في سوريا بحسب الأرقام الرسمية لكن المراقبين يشككون

ومنذ أن قررت موسكو إعفاء دمشق من سداد 9.8 مليار دولار من ديونها البالغة 13.4 مليار دولار في بداية الأزمة السورية، دخلت الحكومتان الروسية والسورية في مفاوضات جديدة لتوسعة تلك القاعدة.

ويقول يازجي، الذي يعمل أيضا كرئيس لتحرير جريدة “التقرير السوري” الانكليزية إن “الاستثمارات الروسية في سوريا ضعيفة بشكل عام، رغم أن البلدين يتمتعان بمستوى جيد من التبادل التجاري، وصل حجمه إلى 1.1 مليار دولار في عام 2010”. وأضاف أنه “عوضا عن ذلك، فإن الاستثمارات الروسية تتركز بشكل كبير على قطاعي النفط والغاز”.

ووقعت دمشق في عام 2011 اتفاقا ضخما مع شركة “سويوزنفت غاز” الروسية هو الأول من نوعه، للتنقيب عن النفط والغاز وتطوير منشآت الإنتاج في المياه الإقليمية السورية. ويسمح الاتفاق بالتنقيب في مساحة 2190 كيلومترا مربعا في البحر المتوسط، وستتولى الشركة الروسية تغطية نفقات المشروع التي تصل إلى 90 مليون دولار.

وعلى الأرض، ضخت شركة “تاتنيفت” الروسية هي الأخرى 27 مليون دولار للاستثمار في حقول النفط في شرق سوريا، لكن تلك المناطق سقطت في قبة فصائل المعارضة وخاصة تنظيم داعش.

واضطرت الشركة في عام 2011 إلى إيقاف أنشطتها بعد أن تم وضع الهيئة العامة للبترول السورية، التي كانت تشارك الشركة الروسية أعمالها، على قائمات الاتحاد الاوروبي للعقوبات الاقتصادية بعد اندلاع الحرب.

وقدرت الاحتياطات النفطية التي تمتلكها سوريا في البحر المتوسط بنحو 2.5 مليار برميل في يناير 2013، وهي تكون بذلك أكبر احتياطات نفطية مؤكدة شرق البحر المتوسط، طبقا لصحيفة “أويل اند غاز″ الأميركية.

جهاد يازجي: لا يمكن ملاحظة آي استثمارات روسية في سوريا خارج قطاع الطاقة

وفي عام 2010، توقعت هيئة المسح الجيولوجي الاميركية أن تصل الاحتياطات السواحل السورية إلى 1.7 مليار برميل وأكثر من 122 تريليون قدم مكعب من الغاز. ورغم القتال الدائر على مدار الساعة في سوريا، وهو ما يجعلها تحتل مراكز متأخرة للغاية بين الدول الجاذبة للاستثمارات، مازال الروس يتطلعون الى ضخ مزيد من الأموال في البلاد.

ويقول يازجي أنه على سبيل المثال “كانت هناك محادثات لتشييد فندق تصل كلفته 100 مليون دولار في محافظة اللاذاقية الساحلية بواسطة شركة روسية، لكن لم يحدث أي تقدم يذكر بسبب اتساع نطاق الحرب”. وأضاف أنه “لا يمكن ملاحظة وجود آي استثمارات روسية في المصارف أو العقارات أو القطاع الصناعي، لأن نشاط الشركات الروسية التي تستثمر في الخارج عادة ما يتركز على قطاع الطاقة”.

ويرى محللون أن روسيا، التي ترزح تحت نير العقوبات الغربية بسبب تورطها العسكري في الأزمة الأوكرانية لن تكون قادرة على مد يد العون اقتصاديا لنظام الرئيس بشار الأسد في سوريا. لكن دمشق تلقت في يوليو الماضي، مساعدات اقتصادية من حليفها الإيراني بمقدار مليار دولار.

ويرى يازجي أن “ذلك حدث بسبب الرفض الروسي لفعل الشيء نفسه حينما طُلب منه ذلك، لان موسكو تأثرت بالفعل بالعقوبات الغربية”. واضطرت روسيا إلى تقليص طموحها الاقتصادي في سوريا انتظارا لحدوث انفراجة في الوضع الأمني.

ومن المستبعد في جميع الأحوال، أن تكون روسيا قادرة على ترجمة طموحاتها في سوريا في المستقبل القريب، باستثناء بعض التحركات الخجولة في الشريط الساحلي السوري، معقل القاعدة الشعبية للأسد.

وفي مقابلة صحفية أجريت معه في دمشق، تحدث إيغور ماتفيف الملحق التجاري في السفارة الروسية في منتصف سبتمبر عن تطلعات روسية كبيرة، من بينها خططا لبناء قرية كاملة لإقامة الخبراء الروس في اللاذقية. وقال يازجي كان “من المثير أن ماتفيف ذكر دمشق مرة واحدة فقط، بينما تحدث عن اللاذقية 10 مرات… لن تحتاج إلى عناء كبير كي ندرك ما يعنيه ذلك”.

10