أجندة النهضة وخسائر النداء

الخميس 2015/03/19

يستغرب الكثير من التونسيين قبول حركة النهضة المشاركة في حكومة الحبيب الصيد، بحضور ضئيل، إلى درجة توصيف المقرّبين منها الأمر بكونه إصرارا مُذلا لا يحفظ ماء وجه التيار الإسلامي، غير أن قيادة الحركة رأت الفرصة سانحة لترمي صنارتها في المياه الراكدة للحزب الحاكم، علها تنجح في تغذية ما بدا عليه من ارتباك داخلي ما انفك يحتدم منذ الإعلان عن فوز نداء تونس في الانتخابات، وهو ما أضحى يُنبئ بخطر تفتت حزب اختاره التونسيون لإدارة البلاد.

أدرك إخوان تونس أن المسك بالسلطة، في ظرف محلي وإقليمي دقيق، قد أصابهم بالتهرئة سياسيا وشعبيا ومنعهم من تحقيق أجندتهم. حركة النهضة لم تكن بالضعف الذي يجعلها تقبلُ بحقيبة وزارية واحدة، غير أنها سعت إلى مثل تلك المشاركة الهزيلة ظاهريا. تلك هي إستراتيجيّة النكوص المؤقت للمرحلة المقبلة، في ظل استشرافها لتعمق الاحتقان في حزب نداء تونس، وخاصة بعد بروز “تيار تصحيحي” داخله، استحكم في الحشد وأعلن خطوات بينة للانقضاض على هيئته التأسيسية.

وكما كان منتظرا سارعت حركة النهضة بالتأقلم مع المعطى الجديد الذي أعادها إلى الصف الثاني، مستفيدة من تخبط غير مسبوق يشهده خصمها السابق وحليفها الجديد. وفي الصندوق الأسود لقياداتها يرتكن هدف محوري ذو رأسين، أولاهما تجنب تعريضها للمحاسبة والنبش عن الملفات القديمة لزمن حكم “الترويكا” وتركتها الحالكة الثقيلة، أما ثانيهما فيكمن في الالتحاف بشرنقة سياسية تتيح للحركة الإسلامية التواري عن الأنظار من أجل إعادة تنظيم صفوفها، لاسيما أن التفكير في الانتخابات البلدية بدأ يُسيل اللعاب، فتلك المحطة السياسية تكتسي أهمية كبرى لوثوب النهضة على أطراف السلطة مجددا عبر الآليات نفسها التي أبعدتها عنها.

حسابات متشعّبة رأت الحركة الإسلاميّة في تونس أنّها الأقدر على خدمة مصالحها، بدلا من تشكيل معارضة برلمانيّة ضارية للحكومة وللحزب الحاكم المريض بالتجاذبات التي تحرّك أجنحته. كما أنّ موعد تصعيد المناكفات السياسية بين الأعداء المتحالفين حاليا لاعتبارات براغماتية، سواء في ساحة مجلس نوّاب الشعب أو على منابر الفضائيات، لن يحين وقته إلاّ عندما تصبح الاستحقاقات الانتخابيّة المقبلة على مرمى حجر، والأرجح أنّه لن يطول كثيرا.

والأرجح أنّ حركة النهضة لن تكون، عندئذ، مضطرّة إلى البحث عن إسقاط حكومة نداء تونس، بقدر التركيز على تأمين كلّ ما من شأنه أن يُنهك الحزب والحكومة قبيل الانتخابات، فضلا عن الاستفادة من الغاضبين من حزب الباجي قائد السبسي، وهم ليسوا بقلّة، من جرّاء تحالفه غير الطبيعي مع تيّار إسلامي كان يُحذّر من خطورته ويُناطحه بكلّ السبل السياسيّة الممكنة أيام الانتخابات.

ورغم أنّه رفع شعار “قوّتنا في وحدتنا” احتفالا بعيد الاستقلال وإعلانه عقد جلسة انتخابيّة لمكتبه السياسي، بعد أيّام، رأبًا للصدع وأملا في تجنّب تعميق التصدّع، فإنّ حزب نداء تونس لا يُحسد على الأوضاع التي يعيشها اليوم. أمّا حركة النهضة فهي بلا ريب المستفيد الأوّل من أزمة الحزب الحاكم، فقد تخطّت أوضاعه الهشّة مُجرّد الارتباك، مُنبئة باحتمالات الانقسام. ففي حال أفضت انتخابات المكتب السياسي، يوم الأحد، إلى إقصاء أحد المكوّنات الرمزية المهمّة للحزب، والمتمثلة أساسا في شقّ اليسار الذي لمّع صورة جماعة النظام القديم، فقد يُصبح النداء محكوما برأسين، تتنازع قراراته وبرامجه هيئة مخضرمة تتمسّك بشرعيّة التأسيس، و”تيار تصحيحي” يقوده نجل الباجي قائد السبسي، لاسيما أنّه أثبت قدرته خلال الأيام السابقة على التعبئة الجماهيريّة، تمسكا بـ”حقه” في وراثة والده لإدارة الحزب “الأكبر” في تونس. ومهما كانت نتائج الصراع الحالي، فإنّ خسائر نداء تونس لن تكون هيّنة، أمام خطورة انقسام كتلته البرلمانيّة وتشتت جهود فريقه الحكومي بين ترتيب البيت الداخلي للحزب والاستجابة للمتطلّبات المتصاعدة لعموم التونسيين.

في واقع الممارسة السياسيّة في تونس، قد لا يهمّ الشقّ الغالب في حركة النهضة أن تنجح التجربة الديمقراطيّة في تونس، بقدر ما يعنيه ألاّ تبتعد الحركة عن أروقة الحكم. ولذلك استنبطت ألعوبة “الوفاق” للتحالف مع الخصم ولتبرير عدم اضطلاعها بدورها المعارض. أمّا نداء تونس فقد غلّبت بعض قياداته المصالح الفئوية ووهم الزعامة على المرور بتونس، إلى برّ الأمان.

إعلامي تونسي

9