أجهزة الاستخبارات أطباء بمجسات حساسة لاكتشاف الأوبئة

الحكومات تجاهلت تحذيرات الأجهزة الأمنية من انتشار وباء كورونا.
السبت 2020/05/09
الوباء يعطي أبعادا جديدة لمعايير استباق المخاطر

من المتوقع أن تتولى أجهزة الاستخبارات دورا أكبر بعد تجاهل تحذيراتها في الأزمة الصحية، واستخلاصا للعبرة من أزمة فايروس كورونا المستجد ستبذل أجهزة الاستخبارات كل ما في وسعها لترصد الأوبئة مستقبلا، وسيضاف هذا الموضوع إلى قائمة أولويات أجهزة الأمن التي تحظى بإمكانات كبرى.

باريس - لم تفشل أجهزة الاستخبارات في العالم في توقع انتشار فايروس كورونا المستجد، بل ما حصل أن الحكومات تجاهلت تحذيراتها. وإزاء جسامة الأزمة، قد تعمد السلطات مستقبلا إلى تعزيز دور هذه الأجهزة في رصد المخاطر الصحية.

باغت وباء كوفيد – 19 معظم الدول التي أخفقت في رصد بوادره، فلم ينجح العالم في اكتشاف المريض رقم صفر فيما لا يزال مصدر المرض والعدوى موضع نقاش دولي .

لكن بالنسبة لوكالات التجسس التي يقوم نهجها برمته على التيقظ والرصد، فإن “المشكلة هي مشكلة رصد وترقب من قبل السياسيين وليس الأجهزة”، برأي المسؤول الكبير السابق في المديرية العامة الفرنسية للأمن الخارجي آلان شويه الذي يبدي استياءه حيال إمكانية التشكيك في أداء زملائه السابقين.

وقال “الأوبئة تحصل بمعدل كل خمس سنوات، كان من الواجب أن تشكل محط اهتمام السلطات السياسية الفرنسية”.

وأكد هذا الرأي البروفيسور في جامعة هارفارد روبرت بليندون مشددا على أن الأجهزة الأميركية رصدت قبل فترة طويلة خطر الوباء و”أبلغت الرئيس دونالد ترامب بأن لديها أدلة على وباء محتمل”.

وتقوم أجهزة الاستخبارات منذ وقت طويل بترصّد المخاطر الصحية. فالأجهزة الأميركية على سبيل المثال راقبت عن كثب فايروس قصور المناعة البشرية المكتسبة (إتش.آي.في أو الأيدز).

مع تزايد اليقظة، هل يطلب من الأطباء القيام بأنشطة استخباراتية أو هل يطلب من الجواسيس امتهان الطب

وذكر الأستاذ المحاضر في الاستخبارات والأمن الدولي في جامعة غلاسكو باسكتلندا داميان فان بويفيلدي أنه “في أواخر التسعينات، أقامت تقارير رابطا بين الأمن الصحي ومخاطر المجاعة والجفاف وصولا إلى مخاطر الحرب”.

وفي يناير 2000، أصدرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي.آي.إي” تقريرا عرضت فيه مخاطر الأمراض المعدية على مستوى العالم. ورأى فان بويفيلدي أن كل هذا العمل “كان يستحق النظر إليه بالمزيد من الجدية” من قبل حكومات العالم.

لكن روبرت بليندون لفت إلى أن المسؤولين السياسيين المنتخبين يترددون بصورة عامة في تخصيص ميزانيات كبرى لمخاطر تبقى افتراضية. وقال “السؤال الحقيقي المطروح هو معرفة إن كنا سنستخلص العبرة ونستثمر حتى تتمكن البلدان بعد خمس أو عشر سنوات من التحرك على وجه السرعة في حال حصول أمر كهذا من جديد”.

مع ما تأتى عن فايروس كورونا المستجد من وطأة اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية، فإن هذا الموضوع قد يضاف إلى قائمة أولويات أجهزة الأمن التي تحظى بإمكانات كبرى على صعيد الاستخبارات البشرية والصور عبر الأقمار الصناعية والاتصالات ومراقبة شبكات التواصل الاجتماعي وبيانات الاتصالات.

وقال فان بويفيلدي إن “هذه الوسائل يمكن أن تكون مفيدة بصورة خاصة حين يسعى بلد لحجب مدى تفشي وباء”.

وهذا ما تصوره قلة الشفافية التي أبدتها دول عديدة في تعاطيها مع الوباء، والانتقادات الموجهة إلى منظمة الصحة العالمية، واختلاف الاستراتيجيات الوطنية التي قررتها البلدان في غالب الأحيان دون التنسيق مع الدول المجاورة.

أخطاء كثيرة
أخطاء كثيرة

وبعدما أحدثت اعتداءات 11 سبتمبر 2001 ثورة في نموذج مكافحة الإرهاب، هل يعطي وباء كوفيد – 19 أبعادا جديدة لمعايير استباق المخاطر؟

توقع خبير المسائل الأمنية في مركز “بي.آي.آر” المستقل للدراسات في موسكو فاديم كوزيولين “قيام أولوية أمنية جديدة” في روسيا، مع إقامة “دوائر جديدة متخصصة في الأمن الوبائي” في الأجهزة الروسية المكلفة منذ وقت طويل برصد المخاطر النووية والبيولوجية.

وأوضح معهد البحث الاستراتيجي في الكلية الحربية الفرنسية في وثيقة نشرت الخميس أن “صدمة الوباء ستولد مطالبة بدور جديد لأجهزة الدفاع والأمن حول هذه التحديات، بما في ذلك من قبل أجهزة الاستخبارات”.

وإذ شددت الوثيقة على أن الأزمة “لا يمكن اعتبارها بمثابة خطأ استخباراتي”، فإنها لفتت إلى أنها “قد تحرك محاولات أطراف غير رسميين لحيازة أسلحة بيولوجية. إنه تحد مباشر لجهود مكافحة انتشار” أسلحة الدمار الشامل.

ويثير كل ذلك سؤالا شائكا: فمع تزايد اليقظة والترصد، هل يطلب من الأطباء القيام بأنشطة استخباراتية أو هل يطلب من الجواسيس امتهان الطب؟

وقال الطبيب المتخصص في علم الأوبئة بنجامين كيريو بهذا الصدد إن “الأطباء يحبون تقاسم معرفتهم، لا بل نشرها، ما يثير استياء جميع عناصر الاستخبارات”.

وشدد كيريو الذي عمل مستشارا طبيا للحلف الأطلسي في بروكسل على أنه سيترتب على العالمين تقاسم المعلومات والمخاوف قائلا “إن أردنا تحقيق تقدم، لا مفرّ من التعاون في ما بيننا وتبادل الثقة”.

هل دق كوفيد - 19 ساعة الصفر للتحول نحول الأفضل

لندن - حققت البشرية أحيانا تقدما اجتماعيا هاما على أنقاض كوارث كبرى، فشهدت زوال النظام الإقطاعي في أعقاب وباء الطاعون الأسود، وقيام نظام الرعاية الاجتماعية إثر الحرب العالمية الثانية. وفي مواجهة تفشي فايروس كورونا المستجد، اتخذت حكومات عديدة تدابير كانت ترفضها حتى الآن باعتبارها من باب “اليوتوبيا”، فوزعت “شيكات” على الأفراد وعززت الرعاية الصحية للأكثر هشاشة وأمنت ملاجئ للمشردين وقطعت وعودا بالاستثمار بكثافة في النظام الصحي. فهل تستمر هذه التدابير بعد الأزمة؟

سلط الفايروس الضوء على أهمية دور العمال الأكثر هشاشة من سائقين وعمال صناديق وموزعين ومعلمين وممرضين يتقاضون أجورا متدنية ولا يحظون بكثير من الاعتبار في غالب الأحيان، وهم الذين مكنوا البلدان من الاستمرار في ظل الحجر المنزلي. ويبلغ عدد العمال المستقلين في المملكة المتحدة خمسة ملايين، ولا يحظى معظمهم بضمان اجتماعي.

وخوفا من أن يواصلوا العمل حتى إذا أصيبوا بفايروس كورونا المستجد، قررت رئاسة الحكومة منحهم تغطية صحية منذ اليوم الأول وليس في اليوم الخامس كما كان ساريا قبل ذلك، ومنحهم مساعدات البطالة الجزئية ذاتها الممنوحة للموظفين، وقدرها 80 في المئة من متوسط عائداتهم الشهرية حتى حدود 2500 جنيه استرليني في الشهر.

وإذا كان وزير المالية ريشي سوناك تحدث عن إبطاء هذه المساعدات، فإن أستاذ الأنثروبولوجيا الطبية في جامعة “يو.سي.إل” ديفيد نابيير رأى أنه سيكون من الصعب انتزاع هذه المكاسب منهم بالكامل بعدما “عول الأقوياء على الأكثر ضعفا لضمان استمراريتهم”. وحققت فكرة تأمين دخل أساسي شامل تقدما في دول ومناطق شتى تمتد من هونغ كونغ وصولا إلى الولايات المتحدة حيث تطغى المصلحة الذاتية. وسعيا منها لضمان استمرارية الاقتصاد، قامت إدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب بتوزيع مبالغ مالية مباشرة تصل إلى ثلاثة آلاف دولار للعائلة ضمن خطتها لإنعاش الاقتصاد.

وأظهرت دراسة أجرتها جامعة أوكسفورد أن 71 في المئة من الأوروبيين يؤيدون مبدأ تأمين دخل أساسي شامل، بعدما كان هذا المفهوم يعتبر “راديكاليا، بل من باب اليوتوبيا”، بحسب ما أوضح البروفسور غارتون آش. ويدعو الكثيرون إلى اغتنام عودة “يد” الدولة لتوجيه السياسة الصناعية على غرار ما حصل مع خطة مارشال بعد الحرب العالمية الثانية، وإعطاء منحى “أخضر” للاقتصاد. ودعا مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول قادة العالم إلى “ضمان وضع مسألة الانتقال في مجال الطاقة في مقدم استجابتهم لوباء كوفيد – 19”.

6