أجواء إيجابية في مفاوضات لبنان وإسرائيل تعكرها الحسابات الإقليمية

نبيه بري: ليس واردا أن تفضي محادثات ترسيم الحدود إلى تطبيع بيد لبنان وإسرائيل.
الخميس 2020/10/29
ممنوع على الصحافيين االقتراب

بيروت – تستأنف الخميس، المناقشات التقنية حول ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل، في جولة التفاوض الثانية التي بدأت الأربعاء في منطقة الناقورة الحدودية في جنوب لبنان برعاية الأمم المتحدة ووساطة الولايات المتحدة.

وانطلقت المفاوضات في الرابع عشر من الشهر الحالي بين البلدين اللذين يعدان في حالة حرب ويطمحان إلى تقاسم الموارد النفطية في المياه الإقليمية، بعد سنوات من وساطة تولتها واشنطن.

واقتصرت الجولة الأولى على لقاء تعارف بين الأطراف المفاوضة، فيما مثلت الجولة الحالية الخطوة الأولى لمفاوضات صعبة قد تستغرق أسابيع وأشهرا، في ظل التعقيدات المحيطة بها وتدخل عدة أطراف، رغم أن الجانبين يؤكدان أنها تقنية بحتة لترسيم الحدود.

لوري هايتيان: لبنان يدفع باتجاه أن يصبح جزء من حقل كاريش ضمن حصته
لوري هايتيان: لبنان يدفع باتجاه أن يصبح جزء من حقل كاريش ضمن حصته

ويقول مراقبون إن فرص نجاح هذه المفاوضات من عدمها تبدو متساوية، فلئن تبدي الولايات المتحدة الراعي الرسمي للمحادثات حرصا على نجاحها، إلا أن الأمر ليس نفسه بالنسبة إلى إيران التي يخشى اللبنانيون من أن تعمد إلى إفشالها عبر ذراعها حزب الله، ما لم تحقق لها أي استفادة.

واستمرت جلسة الأربعاء قرابة أربع ساعات. وعُقدت بعيدا عن وسائل الإعلام في نقطة حدودية تابعة لقوة الأمم المتحدة في جنوب لبنان (يونيفيل) بحضور ممثلين عن الأمم المتحدة والدبلوماسي الأميركي جون ديروشير الذي يتولى تيسير المفاوضات بين الجانبين.

وقال مصدر لبناني مواكب للمفاوضات متحفظا عن ذكر اسمه إن “أجواء الاجتماع كانت إيجابية (…)، وقدّم كل وفد طرحه ومطالبه أمام الآخر من دون أن يصار إلى تقديم أجوبة بشأنها”.

ويستكمل النقاش في جلسة تُعقد اليوم الخميس بدءا من العاشرة صباحا (08:00 ت.غ)، وفق ما أوردته الوكالة الوطنية للإعلام.

وتعد الجولة الثانية وفق ما قالت مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لوري هايتيان “أول اجتماع تقني بعدما كانت الجلسة الأولى للتعارف وتخللها وضع القواعد الأساسية للتفاوض”.

ويصرّ لبنان على الطابع التقني البحت للمفاوضات غير المباشرة والهادفة حصرا إلى ترسيم الحدود البحرية، فيما تتحدث إسرائيل عن تفاوض مباشر.

وشدد رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري الأربعاء على أنه “ليس واردا لا من قريب ولا من بعيد القبول بأن تفضي مفاوضات الترسيم إلى تطبيع مع العدو الإسرائيلي الذي يتم التفاوض معه وفقا لآليات واضحة”.

وقال إن المفاوضات “هي حصرا من أجل تثبيت حقوق لبنان بالاستثمار على ثرواته كاملة دون زيادة أو نقصان”.

واعتبرت الحكومة الإسرائيلية من جهتها في بيان الثلاثاء أن الوفد الإسرائيلي يهدف عبر الاجتماعات إلى “استطلاع إمكانية التوصل إلى اتفاق إزاء تحديد الحدود البحرية بين الدول، بطريقة تتيح تنمية الموارد الطبيعية في المنطقة”.

ووقّع لبنان في العام 2018 أول عقد للتنقيب عن الغاز والنفط في رقعتين من مياهه الإقليمية تقع إحداها، وتعرف بالبلوك رقم 9، في الجزء المتنازع عليه مع إسرائيل. وبالتالي، ما من خيار أمام لبنان للعمل في هذه الرقعة إلا بعد ترسيم الحدود.

وتتعلق المفاوضات بمساحة بحرية تمتد لنحو 860 كيلومترا مربعا، بناء على خارطة أرسلت في العام 2011 إلى الأمم المتحدة، واعتبر لبنان لاحقا أنها استندت إلى تقديرات خاطئة.

وتنطلق الدولة اللبنانية في المفاوضات، وفق ما تشرح هايتيان، “من مبدأ المطالبة بأقصى ما يمكن الحصول عليه تحت سقف القانون الدولي وقانون البحار، أي إنها تريد أن تذهب أبعد من 860 كيلومترا مربعا، وهو ما يجعل جزءا من حقل كاريش للغاز ضمن حصة لبنان”.

ولا يُعلم ما سيكون عليه الموقف الإسرائيلي في هذا الصدد، خصوصا أن كاريش هو حقل مكتشف وكان يفترض أن تبدأ إسرائيل عمليات الإنتاج فيه العام المقبل قبل حصول تأخير مع تفشي فايروس كورونا المستجد.

Thumbnail

ويبدأ لبنان مسار الترسيم في ظروف صعبة مع انهيار اقتصادي متسارع وعقوبات أميركية تلاحق حزب الله ومسؤولين سياسيين من أحزاب حليفة له.

وتعتبر هايتيان أن لبنان “يريد إرسال إشارة إلى اللبنانيين والمفاوضين الإسرائيليين والأميركيين أنه لا يجلس على طاولة التفاوض من موقع ضعف”، وبالتالي فهو “يوسّع دائرة مطالبه مستندا إلى حجج قانونية”.

ولطالما أصرّ لبنان سابقا على ربط ترسيم الحدود البحرية بتلك البرية، لكن المفاوضات ستتركز فقط على الحدود البحرية، على أن يُناقش ترسيم الحدود البرية، وفق الأمم المتحدة، في إطار الاجتماع الثلاثي الدوري الذي يعقد منذ سنوات.

وعلى غرار الجولة الأولى، لم يسمح للصحافيين والمصورين من الوصول إلى موقع الاجتماع، مع قطع الجيش وقوات يونيفيل الطريق المؤدي إليه وتسييرهما دوريات في المنطقة، فيما شوهد تحليق لمروحيات تابعة لقوات يونيفيل في الأجواء.

ولدى تواجد مجموعة من الصحافيين اللبنانيين داخل بلدة الناقورة لرصد موقع الاجتماع من أقرب مسافة ممكنة، تعرض فريق من تلفزيون لبنان لاعتداء على أيدي ثلاثة شبان طالبوهم بالمغادرة. وأقدموا على كسر معداتهم، وفق ما أفادت به مراسلة القناة على تويتر. وذكر مراسل صحيفة “النهار” أن الشبان عرفوا عن أنفسهم بأنهم من حزب الله وطلبوا من جميع الصحافيين الذين تواجدوا على تلة مشرفة على موقع التفاوض المغادرة فورا، وهو ما حصل.

ووصفت وزيرة الإعلام في حكومة تصريف الأعمال ندى عبدالصمد في تغريدة ما حصل بأنه “أمر مُستنكر ويستدعي تدخّل الأجهزة الأمنية المعنيّة لحفظ أمن الإعلاميين وكرامة المهنة”.

واعترض حزب الله الذي يشكل الخصم اللدود لإسرائيل، مع حليفته حركة أمل، عشية جلسة التفاوض الأولى على ضمّ الوفد اللبناني الذي يقوده العميد الركن الطيّار بسام ياسين، شخصيات مدنية، معتبرا أنّ في ذلك “تسليما بالمنطق الإسرائيلي الذي يريد أي شكل من أشكال التطبيع”.

واعتبر مراقبون أن موقف حزب الله ليس بمستغرب في ظل الإحراج الكبير الذي واجهه مع أنصاره الذين عدوا القبول بالتفاوض المباشر مع إسرائيل تنازلا من باب الضعف. ويقول مراقبون إنه ليس من الممكن أن تجري هذه المفاوضات دون موافقة حزب الله أو مشاركته في أدق تفاصيلها.

2