أجواء رمضانية خافتة بين الجاليات العربية المغتربة

العائلات المسلمة المغتربة تسعى إلى خلق أجواء رمضانية خاصة بها في بلدان إقامتها، إلا أن الحنين إلى عادات وتقاليد بلدانها يجعل أيام شهر الصيام باهتة.
الثلاثاء 2017/06/06
تنوع مائدة الإفطار لا يغني شيئا دون اللمة العائلية

تفتقد الجاليات المسلمة في أغلب دول العالم إلى الأجواء التقليدية لشهر رمضان الفضيل المفعمة بالطقوس والمسامرات وتبادل الزيارات بين العائلات التي ارتبطت بذاكرة الأجيال.

ورغم سعي البعض من الأسر المغتربة إلى استعادة تلك الأجواء الرمضانية، سواء بمبادرات شخصية بين العوائل القريبة والصديقة منها، أو عبر المنظمات والجمعيات الخيرية التي تحاول جمع المغتربين العرب، إلا أنها تبقى في النهاية مجرد محاولات لا ترقى إلى النشاطات والمسامرات الدائمة التي كانت تقام في البلدان العربية.

وتصبح أجواء شهر رمضان ثقيلة في بلدان أوروبا، وخاصة تلك التي يطول فيها يوم الصيام ويكون فيها موعد الإفطار في حدود العاشرة مساء، ففي العاصمة البريطانية لندن يكون موعد أذان الفجر في حدود الساعة الثانية وخمس وأربعين دقيقة حسب وسائل تحديد مواقيت الصلاة المختلفة، بينما يكون موعد أذان المغرب حول الساعة التاسعة وخمس عشرة دقيقة.

ويعني ذلك أن المسلمين البالغ عددهم حوالي 3 ملايين في بريطانيا يصومون ما يقارب 19 ساعة يوميا، ويفطرون لنحو خمس ساعات فقط، حيث يتأخر موعد الفجر ويتقدم موعد المغرب يوميا.

الازدحام يكثر خاصة في المحلات التي تبيع اللحوم المذبوحة طبقا للشريعة الإسلامية، المنتشرة في أغلب مناطق إقامة الجاليات الإسلامية

ويحول تأخر موعد الإفطار دون القيام بأي فرصة تزاور بين الأسر، فلا يكون أمام البعض غير الالتقاء في بعض المقاهي التي تكون بديلا تقليديا وفضاء للثرثرة غير النافعة، أو التسمر أمام جهاز التلفزيون الذي يسبب الخمول والتخمة والملل.

كما لا تشعر العوائل المغتربة بأجواء الشهر الجميلة في محيطها بسبب الاختلاف الديني بين الجيران، مع أنها تشعر في غالبية المجتمعات الغربية بالتسامح المحيط بها، فيدفعها الحنين إلى التحدث بإطناب لأبنائها، الذين لم يسبق لهم أن عاشوا رمضان في بلدان آبائهم الأصلية، عن أجواء شهر الصيام والتراحم والتكافل الاجتماعي.

ولا يجد المغتربون غير سلوى تذكر أجواء الشهر الفضيل في سنين آفلة عاشوها مع أسرهم في أوطانهم الأصلية، بينما يمارسون في بلدان الاغتراب حياة تقليدية وروتينية متشابهة، خصوصا في المدن المتباعدة عن بعضها البعض كما في كندا والولايات المتحدة واستراليا، حيث لا توجد أجواء رمضانية، إلا بحدود منازل المسلمين.

ورغم أن أغلب الأسر المغتربة المسلمة في دول العالم، تنعم بالأمان وبحياة طبيعية وتتوفر لديها مختلف أنواع الأطعمة والمأكولات والمشروبات، إلا أن تنوع مائدة الإفطار ليس كل شي في شهر رمضان، فعندما يفتقد المغتربون أجواء شهر الصيام، يصبح الشهر بلا نكهة. وعبرت فاتن ناولو ذات الأصول السورية عن افتقادها الكبير للأجواء الرمضانية التقليدية بسبب نسق الحياة في لندن.

وقالت ناولو التي تعمل مسؤولة عن الطعام بإحدى الروضات البريطانية في تصريح لـ”العرب” إننا “نعيش هنا أياما متشابهة وثقيلة بسبب ساعات العمل المضنية وطول يوم الصيام، مما يجعلنا مع حلول الإفطار نشعر بالإرهاق والتعب فنخير ملازمة المنزل ومشاهدة التلفاز، وهو ما أدى إلى تخلينا عن الكثير من العادات الرمضانية، التي لم نعد نجد متسعا من الوقت للقيام بها”.

وأضافت “بالنسبة إلى الأكلات السورية فيوميا أطبخ ما أريد لأن كل شيء متوفر في المحلات العربية الكثيرة الموجودة في لندن، ولكن ما أفتقده هو لمة العائلة والأصحاب على طاولة الإفطار أو أثناء السهرة من أجواء التسلية والمرح، للأسف لم يعد ذلك متاحا بالنسبة إليّ إلا في عطلة نهاية الأسبوع”.

وفي ألمانيا التي يعيش فيها حوالي نصف مليون مسلم، ويزيد عدد المساجد عن 2500 مسجد يبدأ شهر رمضان بالاختلاف عن تاريخ بدء الصوم بين الجاليات المسلمة المنحدرة من بلدان ومرجعيات مختلفة، غير أن ممارسة طقوس الشهر تعتبر الأصعب بالنسبة إليهم بسبب الاختلاف العرقي والطائفي. ورغم حرص الكثيرين من المسلمين على الاحتفاظ ببعض عادات بلدانهم في رمضان، إلا أن الأمر أحيانا يصبح خارجا عن إرادتهم.

فاتن ناولو: أفتقد لمة العائلة والأصحاب على طاولة الإفطار للسهر والتسلية والمرح

وقال العراقي سليمان شيخو الباحث في علم النفس التربوي “رمضان في ألمانيا يفرض عليك عند القيام للسحور أن تمشي على أطراف أصابع قدميك، حتى لا تحدث ضجيجا وتزعج الجيران الذين يسكنون معك في نفس العمارة”.

وأضاف شيخو في حديث لـ”العرب” إن “آذان الإفطار لا نسمعه وصلاة التراويح لا يمكن القيام بها، بالإضافة إلى أنه من غير الممكن قراءة الكتب الدينية أثناء التواجد في العمل، كما لا توجد مجالس لأهل العلم”.

وختم بقوله “من الصعب تطبيق سنن الصيام في هذا البلد، ففي الشريعة الإسلامية على سبيل المثال عند فعل الخير يجب أن يكون المسلم أولى بذلك، وجيراننا في الغالب من غير المسلمين، وأيضا طبيعة العادات والثقافات تختلف، فمن غير الممكن أيضا أن يتبادل الجيران المأكولات والزيارات”.

كما لا يشعر المسلمون البالغ عددهم حوالي ثمانية ملايين مسلم في الولايات المتحدة الأميركية، بأي تغيرات في شوارع المدن التي يسكنون فيها، فلا أشرطة ملونة ولا مصابيح تتلألأ في الأجواء توحي لهم بحلول شهر رمضان، ولا صدى لصوت الأذان ينبعث من المساجد، إلا أن المحلات العربية والباكستانية والهندية والأفغانية والتركية والإيرانية المنتشرة في العديد من الولايات تسعى إلى أن توفر لزبائنها جميع احتياجاتهم وكل ما يشتهونه من مأكولات عربية وشرقية ليشعروا بنكهات بلدانهم.

ويكثر الازدحام خاصة في المحلات التي تبيع اللحوم المذبوحة طبقا للشريعة الإسلامية، المنتشرة في أغلب مناطق إقامة الجاليات الإسلامية. ولكن مشكلة العائلات المسلمة في أميركا، ليست في وفرة الطعام والشراب ولا في طول ساعات الصوم، بل المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى الأغلبية هي صعوبة ممارسة عاداتها وتقاليدها القديمة.

وعبر الموظف هشام الوحيشي المقيم في واشنطن عن اشتياقه الكبير للأجواء الرمضانية في بلاده تونس، وما يصاحبها من طابع خاص يميزها عن سائر الأيام. ولا تخلو مائدة إفطار الوحيشي في بلد إقامته من طبق البريك وشوربة الفريك والطاجين، إلا أنه يفتقد كثيرا للمة العائلة والأصحاب ومسامراتهم الليلية.

قال الوحيشي لـ”العرب” إن “أجواء رمضان في تونس تتميز بعبق خاص ونكهة مميزة، فهو شهر التزاور واللقاءات والأفراح والمسرات، وفيه تتغير وتيرة الحياة ويحلو السهر والسّمر بين الأهل والأصحاب”. أما رمضان بالنسبة إلى اللاجئين العالقين على حدود أوروبا، فلا طعم له ولا بهجة، وخاصة بالنسبة إلى من يعيشون في مخيمات تفتقد لأبسط مقومات الحياة.

21