أجواء ساخنة تحيط بانطلاق مؤتمر قصيدة النثر في القاهرة

مؤتمر قصيدة النثر يواصل رهانه على قصيدة الحياة والتفاصيل الإنسانية كلغة للعصر.
الثلاثاء 2019/09/17
عاصفة من الهجوم شنها شعراء جدد ضد الناقد صلاح فضل
 

مازالت قصيدة النثر العربية تناضل من اجل فتح آفاق جديدة لا في الشعر فحسب بل وفي الفكر والثقافة عموما. لكن الغريب أن ينحصر صراع قصيدة النثر بما هي من محمولات فكرية وجمالية في الشكل السطحي الخارجي، صراع فرضته منظومات قديمة كلاسيكية حاد عن الجوهر المنشود، وربما يمثّل مؤتمر قصيدة النثر فرصة لإعادة الأمور إلى نصابها.

القاهرة – يأتي انعقاد مؤتمر قصيدة النثر بعد أيام قليلة في القاهرة مصحوبا بحالة من الغليان في قلب المشهد الشعري المصري، بسبب الهجوم المثير للجدل الذي شنّه الناقد صلاح فضل مؤخرا على الشعر الجديد.

يوسّع المؤتمر رؤيته من دحض ادّعاء فضل بأن الشعر قد مات إلى إثارة قضية أزمة الجمود النقدي في عمومها، كما يسعى إلى تقديم إجابات عملية عن حال القصيدة الآن بقراءات شعرية وأطروحات لمبدعين ونقّاد من مصر والجزائر.

مرمى النيران

ليست فقط المؤسسة الرسمية هي التي يهدف مؤتمر قصيدة النثر إلى الفكاك من أسرها وكسر هيمنتها منذ انطلاق دورته الأولى قبل خمس سنوات، فهو بما يحمله من استقلالية في تنظيمه وتمويله ومتّسع إبداعي في برنامجه لسائر ألوان الطيف، يواجه رموز التضييق والتكلّس والوصاية من منظمات وهيئات وأفراد على السواء، منتصرا للجهود الأهلية والتجارب الشعرية والنقدية الحرة، التي تنادي بانتشال الكتابة من نخبويتها الضيقة وأمراضها الانتفاعية.

في هذا الإطار، يواصل مؤتمر قصيدة النثر في أتيليه القاهرة في دورته السادسة المقبلة (21 - 23 سبتمبر) رهانه على قصيدة الحياة والتفاصيل الإنسانية كلغة للعصر، قادرة على الإدهاش والمغامرة والتحدّي واجتذاب المتلقي، وتفادي الانغلاق والتشرنق حول ذاتها، مثلما أنها تأبى اجترار الموروث والاستقطاب والتنميط والسلطوية المركزية.

تفرض اللحظة الساخنة ذاتها على فعاليات الدورة السادسة لمؤتمر قصيدة النثر بالقاهرة، فإلى جانب ما تواجهه القصيدة الجديدة على مدار العام من إقصاء وتهميش في مؤتمرات الشعر الرسمية بمصر، واستبعاد من جوائز الدولة التشجيعية والتقديرية في الشعر، التي يمنحها المجلس الأعلى للثقافة، فإنها تتعرّض كذلك بين وقت وآخر إلى طوفان نقدي عارم، يهدف إلى انتزاعها من جذورها، وليس تقييمها وتفنيدها فنيًّا.

تبدو جلسات مؤتمر قصيدة النثر المقبل وأمسياته في مرمى ألسنة اللهب مباشرة، متأثرة بذلك الهجوم الأخير للناقد صلاح فضل على الشعر الجديد، بمقاله “ماذا جرى للشعر العربي؟” في صحيفة المصري اليوم، الذي أثار جدلًا واسعًا وأحدث ردود أفعال مدويّة، وفيه ذكر فضل تعميمات عاطفية تنسحب على بواكير الحداثة الشعرية في السبعينات من القرن الماضي، أكثر من كونها تخص قصيدة النثر الراهنة.

وعلى الرغم من ذلك سحبها فضل على “شعر هذه الأيام”، الذي هو برأيه يموت أو أنه “بعافية”، بمعنى “مريض”، على حد مقولة أحمد عبدالمعطي حجازي الذي نعته فضل نعتًا عاطفيًّا أيضًا هو “كبير شعراء مصر”.

شعراء ونقاد يواجهون المؤسسة الرسمية بدراسات حديثة حول الأزمنة المتخيلة والتقشف البلاغي وأبجديات التفكيك والتجريب

جاءت آراء فضل مفككة حافلة بالتعميمات، فقصيدة النثر الحداثية “تصنع قطيعة مزدوجة؛ مع التراث القريب والبعيد، وأخرى أليمة مع ذائقة الجمهور، حيث أدارت ظهرها له، وسخرت من سطحيته، وتشبثت بعوالمها التجريبية الفردية، وعزفت عن تمثيل رؤية الجماعة واحتضان موروثها الجميل”.

في الوقت نفسه، ضرب فضل مثلًا على الشعر الجديد “المتفوق” المحافظ على التواصل الجمالي مع المتلقي وتجسيد همومه العامة، بقصيدة نزار قباني “مسافرون نحن في مدينة الأحزان/ قائدنا مرتزق وشيخنا قرصان/ مواطنون دونما وطن/ مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن”.

كان منطقيًّا أن يلقى هجوم صلاح فضل عاصفة من الهجوم المضاد من الشعراء والنقاد الجدد، فهو قدّم تهويمات غير ممنهجة أقرب إلى كتاب حجازي المثير للسخرية حول قصيدة النثر “القصيدة الناقصة”، وقد امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي ومواقع الميديا بردود على غارات فضل، فوصفها الشاعر فتحي عبدالسميع بأنها جمود وتوقف أسطوري سلبي عند لحظة زمنية معينة، لتحويلها إلى عصر ذهبي، مشيرًا إلى أن صلاح فضل لم يطرح أفكاره بشكل جسور وحاسم، بل لجأ إلى ألعاب كثيرة لتتيح له فرصة المراوغة، وهكذا اصطنع حائطًا كي يستند عليه أو يختبئ خلفه، ملقيًا بأحجاره من مخبئه.

ووصف الشاعر أسامة جاد ادعاءات فضل بأنها لا تناقش قضية ولا تطرح أسئلة، وإنما هي تسويد مساحة فارغة بما جادت به قريحته، فلا يكاد يوجد نقد، وإنما هي أحكام كلية وقطعية تذكر بموضوعات التعبير المدرسية. ولمس الشاعر محمود خيرالله حالة النقد المزرية، قائلًا إن على الشعر الجديد أن يواجه “الانقراض النقدي” الذي تسبب فيه الناقد فضل وأمثاله من المعبّرين عن شيخوخة فنية.

في حديثها إلى “العرب”، أوضحت الكاتبة والمترجمة هناء نصير عضو اللجنة المنظمة لمؤتمر قصيدة النثر، أن الدورة السادسة معنية وفق ما هو معهود دائما بتقديم قصيدة النثر في صورتها الحقيقية في مصر والأقطار العربية، إبداعا ونقدا، من أجل التصدّي لكافة محاولات وأدها ووضع العراقيل في طريقها.

وتأتي المحاور البحثية والنقدية في المؤتمر منفتحة على الظواهر الجديدة في قصيدة النثر، وهو ما وصفته هناء نصير بأنه التجلّي النقدي المنشود، المواكب لتجليات الكتابة الإبداعية.

من بين أطروحات المؤتمر: “حضور الأشباح وغيابها فى قصيدة النثر” لشاكر عبدالحميد، “الأزمنة المتخيلة” لميلود حميدة، “التقشف البلاغي” لأبواليزيد الشرقاوي، “دراسة تفكيكية لقصيدة النثر المصرية” لأحمد بلبولة، “حدود التجريب في قصيدة النثر النسوية” لناهد رحيل.

حضور عربي

شعراء قصيدة النثر لديهم رسالة جديدة (لوحة للفنان بسيم الريس)
شعراء قصيدة النثر لديهم رسالة جديدة (لوحة للفنان بسيم الريس)

من الرهانات الأخرى التي يخوضها مؤتمر قصيدة النثر، ذلك الحضور العربي، المتمثل في دولة الجزائر هذا العام، من أجل تعميق أواصر التلاقي بين قصيدة النثر المصرية والعربية، وهو ما وصفه الشاعر عادل جلال المنسق العام للمؤتمر بأنه إثراء للزخم الشعري والنقدي، وتعميق لشعار “في الإبداع متسع للجميع”.

وقال الشاعر عادل جلال لـ”العرب”، إن الحاجة المتكررة لعقد المؤتمر تثبت قيمته، خصوصا في ظل خواء الكرنفالات الرسمية التي تنظمها الدولة، وتكريسها للتحنيط والتقليدية، وهي الأمور التي تسعى قصيدة النثر إلى تفجيرها، بما تحمله من تنوع وثراء وتعددية.

يأتي برنامج الدورة السادسة للمؤتمر متواصلا مع أجيال متلاحقة من الشعراء، بداية من جيل السبعينات من القرن الماضي، مثل عبدالمنعم رمضان وأمجد ريان، مرورا بالثمانينيين والتسعينيين حتى أحدث أجيال الشباب. ومن بين المشاركين المصريين: عيد عبدالحليم، كريم عبدالسلام، عماد غزالي، غادة خليفة، إبراهيم النحاس، أحمد المريخي، زيزى شوشة، وغيرهم، ومن الجزائريين نذكر: محمد بوطغان، ميلود حميدة، إسراء فهيم، وآخرين.

وأوضح الشاعر والناقد عمر شهريار، عضو اللجنة المنظمة، أن المؤتمر يسعى إلى إنصاف قصيدة النثر بتوفير منابر بديلة لها، في ظل استغلاق المنصات الرسمية وإدارتها ظهرها لقصيدة النثر.

وأكد لـ“العرب”، أن “ثمة وجوه تتحدث باسم الشعر، وتنصّب نفسها ممثلة له منذ سنوات طويلة، وهي غير مؤهلة لذلك، لكن لا يقوى أحد على مراجعتها للأسف، وقد حان وقت إطلاق القصيدة دون إقصاء وبغير استعلاء”.

وسط هذه التحديات والآمال المعقودة على المؤتمر، وفي ذروة الأجواء المشحونة والمتوترة، سينطلق مؤتمر قصيدة النثر، فهل يقوى على أن يُحدث الإضافة المنشودة إلى حركة الهامش في الثقافة المصرية، تلك الحركة التي تثبت يوما بعد يوم أنها قادرة على أن تكون متنًا حقيقيًّا وواجهة للقوى الناعمة الفاعلة؟

14