أجيال العولمة

السبت 2015/01/17

ربما صار في وسع أي كان تهجئة العولمة، إلى جانب التذكير ببعض صفاتها، جهة العلاقات المتعدية للحدود، والمعلومات، وتنقلات الأشخاص، سوى أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن التأريخ للعولمة بدقة ؟ وكذلك: هل ترتد العولمة بالفعل إلى قرابة عقدين من الزمن، مع انتشار الميديا الفضائية والإنترنت؟

يمكن القول هنا، ومن خلال سبر محتواها، تلمس مفارقات الكلمة، وهي أنها دون ما يُنسَب إليها من أمور أو صفات، وأكبر منها كذلك.

في الحالة الأولى: لأن ما يعرَف تدريجيا، وكل يوم، يكون في وضعية الغفل من الاسم أو المضمر، وما يعرَف اليوم، يرتبط بما سيُكتشف أو سيعرَف لاحقا: غدا أو بعد غد، وفي الحالة الثانية، لأنها تشمل كل ما يمكن تخيله والتفكير فيه، وإن لم يُسمَّ، أي القائمة الكبرى من الأشياء التي تنتظر تسمية، فهي حالة الماقبل والمابعد، جهة الجديد وما يغدو مألوفا على مستوى عالمي.

إنما الجدير بالتنويه، هو أن هذا الضخ المعلوماتي والعائد لمفهوم المعلومة، يرتكز إلى سياسة شديدة التمركز والاستقطاب في آن، فما يتعولم يسمّي قاعدة انطلاقته وأناسه أو خبرائه ودعاته وحماته، فلدينا إذا بيروقراطية عولمية، إن جاز التعبير، ليكون وراء هذا الضخ المعلوماتي ذلك التبشير لغواية العولمة التي لا فكاك منها، وكأن المواطن العولمي مواطن عالمي، وما في ذلك من وهم.

وبصدد هذا المفهوم الشائك، لنا أن ننتظر في تاريخنا المديد والموغل في القدم، أي ما يتعدى نطاق التدوين، ويستشرف الشفاهي، وما لم يسطَّر لأسباب موصولة بعلاقات القوة ومغذياتها، لنجد ما هو قابل للطرح، وهو أن العولمة ترتد إلى بدايات الإنسان، أي إن لكل عصر خاصية عولمية، وضمن حدود تسمح بتبادل المعلومات أو الخبرات، أو تتبع المستجدات، انطلاقا من طبيعة التطور هنا وهناك.

فالعالم الرحب يعلِمنا بتلك الشعوب والجماعات القديمة التي كانت تتداول المعلومات قياسا إلى سرعتها في التنقل عبر البحر والبر بصورة رئيسة حتى الأمس القريب، وهذا يشمل الحروب وعدتها والنظريات الخاصة بالحروب والرياضيات والعلوم التطبيقية والفلك.

ولنا فيما كان يقوم به الرحالة والمستكشفون الدليل الأكبر على هذا الانتشار في العالم، إلى جانب المغامرين وطلاب الحكايات وحتى شذاذ الآفاق، باعتبارهم حملة معلومات وحتى عدوى تعبر من خلالهم حدودا.

وبالتالي، فإن التعمق في العولمة من حيث مرونة المفردة وتركيبتها، يقرّبنا من تأريخ يتجاوز ما يصلنا بعقدين من الزمن، كما يتردد كثيرا هنا وهناك، ويمنحنا شعورا عميقا بما هو تثاقفي جرّاء عولمات تمد جسورا متفاوتة في السماكة والطول بين شعوب وأمم، الأمر الذي يعني كسر احتكار العولمة وربطها بجهة جغرافية معينة “الغرب بجلاء”، وفي هذا التحديد ما يخرج كلا منا من قوقعته البيئية، ويحرّره من شعور بالتطفل، ليكون إيجابيا في العطاء، وليس مجرد متلق، لأنه بذلك يكون على بيّنة أن ثمة ماضيا يعني أسلافه، لا بد أنهم تركوا بصمات لهم على جيل من أجيال العولمة والتي تمتد بنا إلى المستقبل باطراد.

العولمة تباغتنا، وستظل تباغتنا بمستجداتها وحكاياتها الخاصة، وما هو عصي على التسمية، بقدر ما نجد أنفسنا بعيدين عن نداءات الأقاصي فيها، وهي الخاصية الكبرى التي تعمّق الهوة بيننا، لتكون العولمة، كما لو أنها خلاف كل ما نستغربه وهو ينتمي إليها، بمعنى آخر، لتكون العولمة الرواية المسندة من جهة آخرين، ونكون نقلَة لها، وليس بمشاركين أو بمتحري أصولها ومفاعيلها. العولمة خلافنا، ولهذا نكون طارئين وربما عائمين على سطحها الأوقيانوسي المتلاطم غير المرئي بنهاياته البرّية!


كاتب من سوريا

16