"أحببت حمارا" رواية عن العراق وما تبقى فيه من عقلاء

التساؤل عما هو حقيقي أو غير حقيقي ليس جوهريا في رواية رغد السهيل الأولى، في حين أن التساؤل المطروح يدور حول ما هو منطقي أو غير منطقي ضمن البنية السردية نفسها، وهذا ما تنجح السهيل في تحقيقه، بالرغم من غرابة الأحداث وتداخل الواقعي مع الخيالي، إلا أننا نقف في رواية “أحببت حمارا”، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر أمام نص تتداخل فيه المستويات السردية لنقرأ حكايات تحاول أن تكون أقرب إلى محاولة ساخرة وتراجيدية، بل وحتى يائسة لإدراك الجنون واللامنطق الذي يمرّ به العراق.
السبت 2015/08/22
حكايات أقرب إلى محاولة ساخرة وتراجيدية بل وحتى يائسة لإدراك الجنون واللامنطق

غرابة عنوان رواية “أحببت حمارا”، للكاتبة رغد السهيل، تبعث تشويقا لاكتشاف حقيقة ما يحصل، فالفرضية الخيالية (الوقوع في حب حمار) تجعل القارئ متحمسا لاكتشاف مدى مصداقيتها، إلا أن الراوية تحافظ عليها دون إنكارها، للوصول في النهاية إلى حكمة أخلاقية ما، ولنقف أمام فانتازيا تحمل منطقها الخاص، تنعكس فيها حكاية الدكتورة أمل الحقيقية التي وقعت في حب حمار عوضا عن الرجال، الذين شوههم “الغول” وقطع آذانهم، ثم ترحل للبحث عنه (الحمار) بعدما ضاع.

أما الحكاية الأخرى التي تقدمها الأوراق التي حصلت عليها من صاحب الحمار ترسم معاناة أخرى، لأولئك المهمشين والمقموعين، حكاية نسوة خسرن كل شيء ويعملن لإعالة ما تبقى من أسرهن، كما نقرأ حكايات أخرى لعذابات وأعمال قهر تعرض لها عراقيون ضاعوا في خضم الحرب الطائفية والانقسامات والأحداث الإرهابية.

بالرغم من أن الإرهاص الأول للرواية قائم على اللامنطق (حب الحمار) و(محاولات الحكومة لجعل النساء يطرن إلى القمر) إلا أن الرواية تستخدم هذه الفرضيات اللامنطقية للانتصار للأنثى، فإلى جانب هذه “الخرافة الواقعيّة” نقف أمام العرّافة التي تزور الكاتبة (الراوية) وتلقي على مسامعها النبوءات حول حياتها كعاشقة ثم تستدعي حكايات أخرى عالميّة وأسطورية وتاريخيّة بل وحتى للكاتبة نفسها (ضحكة الخاتون) وكأننا أمام سرد يفتت المكونات السابقة لصهرها ضمن ما يشبه الهلوسة لحياة في خضم الجنون المعيش، أو حكاية قديمة من طفولة الراوية مازالت مستمرة حتى الآن، وهذه الحكاية مصدرها من جدتها المصابة بالزهايمر وهذا في حدّ ذاته تشكيك في الحقيقة السرديّة.

الواقع والخيال

التقنية المتبعة لسرد روايتين منفصلتين تتداخلان ليصبحا واقعا جعلت “أحببت حمارا” تختبر قدرة الراوية على مواجهة الواقع، لنراه غرائبيا على مستويين، فالأحداث تدور في ذات الحيز الزمني وكأن الرواية الأخرى الموجودة في الأوراق تكتب الآن، وليست سابقة على زمن الرواية الأولى، وهذا الاختلاط ساهم في خلق الحس بالتشويق لدى القارئ وتساهم في جعل الحقيقة والخيال يسيران جنبا إلى جنب دون الخروج من فرضية السرد ذاته (منطق السرد).

رغد السهيل: حاولت أن أنقل صورة معاناة العراق بأسلوب ساخر وتراجيدي

نشهد في الرواية لحظات يظهر فيها صوت الراوية بوضوح حيث يخاطب شخصياته ويحاورها وكأن الراوية نفسها تحاول إيجاد مبرر للحكاية أو نهاية لها، ثم تساؤلات موجهة إلى القارئ نفسه حول جدوى هذا السرد، ليجد نفسه متورطا في معرفة مصائر الشخصيات ورسم حكاياتها، أما نقاط اللاحسم التي تحويها الرواية والمتمثّلة بالفراغات في بعض الحكايات فللقارئ حرية ملئها قبل أن نراها في النهاية تتشابك لترسم النهايات حيث ينتصر الواقعي منها، أما المتخيل والخيالي فالنهاية تكون بصورة مفاجئة وخصوصا بعد إعلان براءة أمل من الجنون، أما قصة بابا نوئيل فنكتشف في النهاية أنها قصة طيار عراقي تعرض لانفجار إرهابي حيث تمكن من النجاة إلا أنه هام في شوارع بغداد جنونا.

ترسم الرواية بصورة ساخرة حالة المؤسسات في العراق وفسادها واهتمامها بالسطحي والمبتذل لدواع سياسية بعيدة عن حقيقة ما يحدث في البلاد وما يخدم مصالحها فنرى محامية بشهادة عليا تفقد عقلها لفساد النظام القضائي، بالإضافة إلى حضور الفساد الاجتماعي حيث نرى فتيات يُبعن في سبيل المال، ورغم ذلك نرى الخيالي يحضر دائما وتتعرض له كافة الشخصيات ويمرّ كأنه حدث اعتيادي كقطع رأس أحدهم واستبداله برأس كلب ثم تسليمه لزوجته على هذه الصورة.

تماسك الحكاية

يُعتبر اختيار الكاتبة لهذه التقنية السردية مغامرة في حد ذاته وذلك خوفا من ضياع الحكاية، فثيمات الموت والجنس وانتقاد السلطة تحضر بقوة عبر إرهاصات أو أحداث فرعية يشكّ أحيانا في خدمتها لدفع الحبكة، إلا أن طغيان صوت الراوية جعل الحكاية موجودة دائما وكأننا أمام عناصر أحجية لو غابت منها بعض العناصر لبقي المعنى حاضرا، لارتباطها بمرجعيّة الراوي الذي يقدم المعلومات من جهة وبالقارئ ذي المرجعية العربية المدرك جزئيا لما يمرّ به العراق من جهة أخرى.

تدافع الرواية عن الأنثى وتستخدم تشابيه مختلفة للذكر الذي يتحول بوصفه رمزا للقمع من غول إلى مؤسسة ثم حيوان من نوع ما، هذه التحولات تجعل الخطاب الذكوري عرضة للانتقاد وانتصارا لصوت الأنثى بحيث لا يكون الذكر ككائن عضوي هو سبب ما تمرّ به المرأة فقط بل ما يمثله من منظومة ذكورية تجعله عرضة للاستهزاء، بل حتى أن الفانتازيا الموجودة تجعله مدعاة للشفقة بسبب اهتماماته الخيالية والتي تعتبر تعويضا رمزيا عن الفحولة التي يسعى الذكر دائما لإثبات حضورها، مهما تغير موقعه في المنظومة الاجتماعية والسياسية، في حين أن الأنثى يتغير موقعها ضمن السرد لتكون مرة منتصرة وعقلانية، ومرة ضحية للنظام الذكوري الذي أفسد عقلها، أو مسحوقة غير قادرة حتى على الاعتراض على ما يحدث.

16