أحببت في فاتن حمامة فتنة تمثيلها

الاثنين 2015/01/19
فاتن حمامة تركت ارثا فنيا وثقافيا كبيرا

نعم، لكل عصر بطولاته، كما أن لكل عصر سحره، وطرق تمثّله ورواجه ومباهجه، ولقد كانت الفنانة المصرية فاتن حمامة ممثلة عصر مليء بالبطولات، كانت بطلة بإرادة صانعة البطولة على مدى أكثر من ستة عقود زمنية، في طريقة تمثيلها، ورخامة صوتها، وسحر أدائها في التمثيل، رحلت يوم 17-1-2015، وفي روحها حسرة من مصر وحب مصر وإنسان وخوف على مصر في مخاضها العسير.

لقد سئمت تكاليف الحياة ولم تسأمها، كونها ألزمت نفسها بالتوقيع على عقد أبدي لتعيش باسمه ما بقيت الحياة، كما هو مقتضى الفن واستثنائيته بالتأكيد: الرهان على الأبدية، ليكون في مقدور الفنان الحياة بأكثر من معنى، أن تجدد كينونتها إخلاصا للعقد الفني المفتوح.

رحلت كأنها لم ترحل، وفي عصيانها على الرحيل، يكون الحضور المقيم فيما أثمرته روحها فنيا طبعا.

ولعلها دفعت ثمنا غاليا لقاء مواقفها إزاء أحداث مصر وتقلبات الأوضاع فيها، وهي تتعامل بروح مثقف متنور معها على الأقل، ونحن نتذكر تعرضها لضغوط من المخابرات المصرية للتعاون معها، وخروجها من مصر لسنوات خمس 1966-1971، إنها ليست حصيلة 150 فيلما فحسب، وبدءا من فيلم “يوم سعيد” (1940) مع الفنان والمطرب الراحل محمد عبدالوهاب، وعمرها عشر سنوات، وصولا إلى المسلسل اللافت “وجه القمر” (2000)، والموقف من الانتفاضة الفلسطينية والتفاعل معها، بقدر ما عاشت حيوات تترى انطلاقا من الواقع المصري ومحيطه العربي، وكامرأة نالت شرف الفن في التمثيل السينمائي والتلفزيوني، واستحقت لقب “سيدة الشاشة العربية” عن جدارة.

طبعا لم تصبح سيدة الشاشة العربية إلا لأن هناك سيدات أخريات تألقت وسطهن، وإن كن بارعات في الأداء التمثيلي وقابلية الافتتان: هند رستم، ليلى علوي، ميرفت أمين، نبيلة عبيد، يسرا، آثار الحكيم، إلخ.. ووسط عالم يموج بـ”الذكور” وسطوة الذكورة في السينما المصرية: يوسف وهبي، محمود المليجي، عمر الشريف الفنان العالمي، رشدي أباظة، شكري سرحان، نور الشريف، حسن يوسف، أحمد زكي، إلخ..

يكون التوازن واختلاله، أو عدم التكافؤ في التقابل والتناظر، كما هي صنعة الفن، في التقريب والإبعاد، في التساوي بين الأسماء والاختلاف في المسميات، تجاوبا مع إرادة الاختلاف وروح الإبداع بالمقابل، وتحديدا عندما كان الأبيض والأسود يعرّفان بالفن التمثيلي قبل ولادة “سكوب بالألوان”، ليتسنى لكل منا أن يستولد اللون الذي يتناسب وهوايته اللونية أو منشوده اللوني من التوأمين الأزليين: الأبيض والأسود.

في ” أريد حلا” (1975) الفيلم الرائد لها، وهي تشدد على إيجاد حل أكثر إنسانية لمشكلة الطلاق، وفي “يوم حلو.. يوم مر” (1988) في دور أرملة في عصر “الانفتاح” وخاصية الأرملة الرمزية، بدعة سينما أعمال أدبية لها مكانتها الإبداعية، وقد أحالت النص الروائي نصا حركيا بالصوت والصورة، كما في “دعاء الكروان” (1959) عن رواية لطه حسين وبالاسم نفسه، و”نهر الحب” (1960) عن رواية “آنا كارنينا” لليو تولستوي ، و”لا وقت للحب” عن رواية ليوسف إدريس، وفي خاصية الناظرة في “ضمير أبلة حكمت” (1991) المسلسل التلفزيوني الذي تابعناه بشغف وقتذاك، وهي تجابه ذكورية سلطة وعنف المأثور الروتيني والمتوارث. كان هناك تشكيل متنوع ومتتابع لشخصية سيدة الشاشة العربية وهي تطرح وجوها مختلفة للحياة في بر مصر وبحرها وجوّها وخارجها، وأن تكون “ثروة قومية” ذلك الوصف الذي تلقته من الزعيم جمال عبدالناصر، ففي ذلك ترجمان أحوال هذه الأديبة المبدعة بصوتها وحركتها، أعني بقدرتها على نفخ الروح في الكلمة المكتوبة، ليتمشهد الجسد الموصوف، ليكون هناك استشراف مجتمع كما هو الخلق الفني السينمائي.

لعل فاتن حمامة في الفن السابع تمكنت من أن تصل بأهلية التمثيل السينمائية والتلفزيونية إلى يومها السابع، دون أن تستريح، لأن طفولتها التي عاشتها وهي في عمر السنوات العشر في “يوم سعيد”، وإن تمازجت مع شيخوخة معينة في “وجه القمر” (2000)، سعادة من نوع آخر جهة المردود الاعتباري للعمل الفني، بقيت طي روحها، وهي تحلم بالمزيد من العمر، وهي تقبض على جمر الواقع، لتعايش المزيد من مصر كما أحبتها، في 150 فيلما وكمّ وافر من المسلسلات، إنما الأهم، هو أنها كانت تعيش انبثاق هويات مصر وهواياتها، مناخاتها وخميرة تاريخ تمنت أن يرسي بها على برّ الأمان، لا أعتقد أنها لاحظته، ولا بدّ أنها، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة وهي موجوعة، أبقت عينيها مفتوحتين حتى وهي توارى الثرى توقا إلى طمأنينة لها صلة رحم ببرّ الأمان ذاك حيث تعيش مصرها، كما هي مصر العشرات وأكثر من زميلاتها وزملائها المصريين وسواهم، ولم تبصره، وهي متقاسمة بين “يوم سعيد” و”وجه القمر”، ليبقى منها اسمها وأثرها: يبقى الفاتن أثرا، وحمامة الرمز بحثا عن البرّ تخلصا من صخب البحر الجاري وارتفاع موجه.


كاتب من سوريا مقيم في دهوك

16