أحبتنا الرسامون

الاثنين 2015/10/26

على سياج حديقة “هايد بارك” في لندن يعرض كل يوم أحد رسامون قادمون من مختلف أنحاء العالم رسومهم، إنها رسوم تجارية لا تصلح للعرض في القاعات الفنية المختصة، سيكون على مَن يراها أن يفكر في الهواء قبل أن يفكر في الرسم، هناك هواء عام يجمع بين المشاهد والرسام في حيز مفتوح.

لا يقدّم الرسامون أنفسهم للمشاهدين الذين لا يجبرهم شيء على الوقوف طويلا، الرصيف ليس ملكا لأحد، والمارة العابرون هم أكثر عددا من المارة المتأملين، لن يصدق الرسام أن أحدا من المارة جاء إلى هذه الجهة من لندن من أجل رؤية رسومه، لا بأس بمشاهد عابر قد يفكر في هدية لحبيبته.

إن أقصى ما يفكر فيه الرسام هو اصطياد عاشق لم يعثر على هدية لمحبوبته، لوحة أصلية لا تكلف مقتنيها ثمنا باهظا. فهل يفقد الرسام شيئا عزيزا حين يحمل المقتني هديته ويختفي؟ فهناك ما يعوضها؛ لوحة تشبهها أو هي نسخة منها، في هذا العالم الذي لن يلتقي فيه أحد أحدا مرة أخرى، ولن يسأل أحد أحدا عمّا يفعله.

لقد تخطى معظم الرسامين عتبة الشباب، بل إن البعض منهم بدا طاعنا في شيخوخته، لذلك لم يعد البحث عن الشهرة يشكل له هاجسا ملحا، فقد اكتفى بالرسم لأن يكون له وسيلة للحصول على كفاف العيش.

إن هؤلاء فقراء رسامون، وليسوا رسامين فقراء، الرسم هنا حرفة هي أقرب إلى التسوّل منه إلى أداء عمل وظيفي. قد يفقد السياج شيئا من حيويته الفلكلورية إن قرر الرسامون ذات أحد عدم الحضور، ولكن لن ينقص شيء في الحياة.

رسامو الأحد هم نوع من الزينة الفائضة في مدينة تمتلئ أحياؤها بالقاعات التي تعرض نتاجا فنيا قد لا يجد دائما مَن يهتمّ به، والمنافسة لم تعد محصورة بين الفنانين، بل تجاوزتهم إلى الشركات التي تتبناهم، إن الماكنة تعمل ولا أحد في إمكانه أن يقف بعيدا عنها، إلاّ إذا قرر أن يعيش في عزلة.

كاتب من العراق

16