"أحبك أوديت"

السبت 2016/05/21

ما من كتاب اسمه «البحث عن الزمن الضائع}. إنه مكتبة هي عبارة عن غابة تنبعث من بين أغصان أشجارها ومن تحت أحجارها ومن أعشاب سواقيها الموسيقى. كان حبر مارسيل بروست يسيل وأنا أنقل بصري بين سطور معجزته. أرى يده تسبق نظرتي بسنتمتر واحد. هناك الكثير من الكتب التي قرأتها وحلمت بأن أكون كاتبها، بل كرهت كتابها لأنهم كتبوها قبلي، إلا كتاب «البحث عن الزمن الضائع} الذي أدركت منذ قراءتي الأولى له أنه لا يكتب إلا مرة واحدة ولن يكتبه إلا شخص واحد هو الفرنسي مارسيل بروست. لذلك لم أحاول أن أقلده وليتني كنت قادرا على القيام بذلك. فمَن يكتب نصا عظيما مثل الزمن الضائع لا بد أن يكون شخصا من إثنين؛ ملاكاً وقد ظهر في هيئة إنسان ليتعذب أو إنساناً في طريقه إلى أن يتسامى ليكون ملاكاً. عظمة بروست لا تكمن في وصف المشاعر البشرية وهي تسعى للارتقاء بالحياة الواقعية التي أنتجتها فحسب بل وأيضا في التقاط تلك الأصوات التي تصدر من عالم الخفاء الذي يقف وراء ستارة لا نراها، حيث يقع المكان الذي تجتمع فيه الأرواح كل ليلة لتملأ مائدتها بمأكولات الحب وشرابه. ذلك الكتاب هو أطول رسالة في الغرام كتبها إنسي أو جان على حد سواء.

يمكنه أن يكون نوعا من الكتب الماورائية. قرأته بأجزائه السبعة مرات ومرات، من غير أن تعينني معانيه على فهم ضالته. ذلك لأن تلك الضالة لا تقيم في المعنى. ضللتني جملته وهي تنسج بترف دانتيل غنجها الذي هو مزيج من الولع والشغف والجنون والوله والصبابة والرثاء. لا يحتاج المرء إلى أن يقرأ الملايين من الصفحات النقدية التي كتبت عن ذلك النص الخارق ليعرف أنه لم يكتب من أجل أن يكون وثيقة تاريخية. من المؤكد أن التاريخ سيكون ممتنا لما قدمه بروست الذي لن تنفع لغته أحدا. فهي تُمسك وتُرى وتُسمع وتُـشم ويمكن تذوقها غير أنها في الوقت نفسه تأخذ الحواس إلى المكان الذي تتخلى فيه عن وظائفها الرسمية. يتساءل المرء حينها عن نوع تلك اللغة التي تنبعث من مكان سري، لن تكون صفحة الكتاب بالنسبة إليه إلا ثوبا مؤقتا.

بالنسبة إلى بروست لا تقع الحياة في مكان آخر بل الكتابة هي الأخرى لا يمكن سوى أن تكون موجودة في مكان آخر. “هل رأيت شيئا؟” “هل سمعت صوتا؟” “هل شممت رائحة؟” “هل تذوقت طعما؟” “هل لمست سطحا؟”، أتساءل كلما أعدت قراءة «الزمن الضائع}، وهي أسئلة يمكنها أن تعينني على التعايش مع الأشباح والأبخرة والموسيقى التي تنبعث من جنبات الطريق التي تمر بها عربات العشاق الذين يقعون في الحيرة كلما أربكهم الغرام. لا أعتقد أن غزلا بالمرأة كُتب في العصور كلها بعمق وترف وقوة ذلك الغزل الذي اخترعه مارسيل بروست. لقد كتب الرجل مليون كلمة من أجل أن يقول عبارة واحدة هي “أحبك أوديت”.

كاتب من العراق

15