أحبوه أم أنكروه.. "اكتشاف ميونخ" يجدد الأسئلة حول النازيين والفن

الخميس 2013/11/07
الشرطة الألمانية تكشف عن كنز فني لا يقدر بثمن

لندن - بابلو بيكاسو، هنري ماتيس، مارك شاغال، أوتو ديكس، جورج غروز، إرنست لودفيغ كيرشنر، وغيرهم.. عرضت أعمالهم في الصالة، بما في ذلك عمالقة ألمانيا، قدمت أعمالهم بوصفها نموذجا لفن منحرف ومنحط. وحملت أجنحة المعرض عناوين غريبة قصد منها الإساءة مثل: "الجنون المطلق"، و"تقديس المومس". وقدم الفن الحديث في كتالوج المعرض بوصفه مؤامرة من قبل البلاشفة الروس، والتجار اليهود لتدمير الثقافة الأوروبية. ورأى القائمون على المعرض في إعجاب الفنانين بالمنحوتات الأفريقية التي استوحى منها البعض إبداعاتهم، ومن بينهم بيكاسو، دليلا على الانحطاط العرقي للفن الحديث.

الموقف النازي من الفن الحديث أسيء فهمه، وهو ما أكده اكتشاف مدهش في مدينة ميونيخ في القرن 21، اكتشاف يقلب الحكاية رأسا على عقب.


أصل الحكاية


شقة كورنيليوس غورليت تبدو متواضعة إذا نظرنا إليها من خلال الصور الفوتوغرافية، مبنى سكني في ميونخ، يبدو من مظهره أن أياما خوالي أفضل قد مرّت عليه، في الداخل قبعت أسرار الرايخ الثالث مدفونة بسلام، لتكتشف فجأة وعن طريق الخطإ.

السلوك الغريب لغورليت، وعدم حمله بطاقة هوية تعرّف به، إضافة إلى سلوكه الذي بدا غريبا أثناء عبور الحدود في رحلة إلى سويسرا، دفع رجال الشرطة إلى مداهمة منزله، حيث تمّ العثور على كنز من الأعمال الفنية واللوحات الزيتية فاق عددها 1500 عمل، من بينها أعمال لبيكاسو، ماتيس، رينوار، بول كلي، إميل نولده، فرانز مارك، أوتو ديكس وأوسكار كوكوشكا.

المفاجأة الأكبر كانت باكتشاف من هو كورنيليوس غورليت العجوز غريب الأطوار الذي يفضل الوحدة والانعزال، والذي تبين أنه ابن هيلدبراند غورليت، تاجر الفن الذي لعب دورا رئيسا في تصنيف الفن الحديث وتوصيفه بـ"فن منحط"، واعتبره النازيون مرجعا مفيدا في تقييم الأعمال الفنية على الرغم من أصوله اليهودية، وهو ابن عمّ المؤلف الموسيقي "المنحط" مانفريد غورليت.

الاكتشاف لم يكن مجرد كمية من البضائع المسروقة، بل قد يتحول واحدا من أهم الاكتشافات الفنية في التاريخ، يضعنا في صميم السياسات والجرائم الثقافية للرايخ الثالث.

التذكير بالفنانين المضطهدين
دوسلدورف- فرقة "دي توتن هوزن" وفرقة سمفونية معهد روبرت شومان العالي في دوسلدورف يسترجعان معا ذكرى موسيقيين تعرضوا لملاحقة واضطهاد النازية. من 19 حتى 21 أكتوبر 2013 تقدم الفرقتان في صالة الصوت تونهالة في دوسلدورف عروضا موسيقية تحت عنوان "أهلا وسهلا في ألمانيا".

وكان القوميون الاشتراكيون قد اعتبروا إنتاج الفنانين غير الألمان والفنانين السباقين إضافة إلى فناني موسيقى الجاز نوعا من الفن "المنحط". وقد بلغت هذه الكراهية أوجها في عام 1938 من خلال معرض "الموسيقى المنحطة"، الذي أقيم على منوال معرض "الفن المنحط" الذي كان قد سبقه في ميونيخ، والذي كان يسعى إلى توثيق وفضح التأثير المفترض للفن الحديث والفن "غير الألماني". خلال أمسية موسيقية، وتحت شعار "أهلا وسهلا في ألمانيا" يلقي فريقا دي توتن هوزن ومعهد روبرت شومان العالي الضوء على الموسيقى المنبوذة من قبل النازيين. ويتضمن البرنامج مروحة واسعة من الموسيقى "المنحطة". حيث تتراوح العروض من موسيقى الأفلام المسلية إلى ألحان "الكوميديين الهارمونيين"، ومن كورت فايل إلى عمل أرنولد شونبيرغ الدرامي "أحد الناجين من وارسو". كما لا تخلو العروض من أغنيات معاصرة، كانت بلا شك ستكون ضحية الظلم لو عرضت في ذلك الزمن. حيث ستعرض أيضا العديد من أغنيات دي توتن هوزن، التي أعادوا توزيعها وترتيبها خصيصا لهذه الأمسية.


تساؤلات كبيرة


يثير الاكتشاف تساؤلات كبيرة حول مصير الفن خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، فمع دخول الحلفاء إلى ألمانيا في المرحلة الأخيرة من الحرب اصطحبوا معهم خبراء لقبوا بـ"رجال الآثار"، مهمتهم هي معرفة أين خبأ النازيون الأعمال الفنية المنهوبة.

لم يكتف النازيون بالإساءة للأعمال التي تنتمي للفن الحديث، ففي كل بلد أوروبي دخلوه صادروا أفضل الروائع الفنية التي احتوتها المتاحف. العديد من هذه الروائع ومن بينها عمل لتيتسيان وآخر لفاين آيك، عثر عليها مخبأة في أنفاق جبلية ومحاجر. أعمال أخرى ومن بينها أعمال عرضت بمعرض "الفن المنحط" ظن الجميع أنها فقدت للأبد. لوحات زيتية مثل لوحة الفنان فان كوخ (الفنان في طريقه إلى العمل)، و14 لوحة للفنان غوستاف كليمت، كانت قد شطبت واعتبرت في حكم المعدومة. ليأتي الاكتشاف الجديد ويطرح معه السؤال من جديد، هل حافظت شبكة النازية على العالم السري للفنون المسروقة بعد عام 1945، بل هل يستخدم هذا الإرث الفني اليوم لتمويل أنشطة النازية الجديدة، ويؤمن لمجرمي الحرب ما يكفيهم للعيش براحة وهدوء.نعيد طرح السؤال بصياغة أخرى، هل كان هيلدبراند غورليت وابنه حالة خاصة معزولة، أم هما مؤشر لوجود شبكة أكبر من مكتنزي الفن النازيين، يجلسون على كنوز سرية في أوروبا ما بعد الحرب كل هذا الوقت، ويعيشون على مبيعات سرية عرضية لعمل من بيكاسو، ويبقون مجموعاتهم في غرف مظلمة خلف علب الطعام في شققهم المجهولة.


عقدة الرسم


الشيء الوحيد المؤكد هو أن هذه القصة جرت أحداثها في قلب أوروبا النازية القاتم، حيث لعبت ميونخ دور عاصمة الفن في الوقت الذي عاش فيه هتلر شبابه، يرافقه حلمه في أن يصبح فنانا. ومن أجل هذا الغرض بدّد ميراثا في محاولة للحصول على تعليم فني بمدينة فيينا.

وفي الوقت الذي كان فيه كليمت يبدع أعماله الفنية، كان هتلر يواظب على ارتياد الأوبرا لسماع ألحان فاغنر، ويجاهد للعيش برسم خلفيات للتزيين. في نهاية المطاف غادر فيينا متجها الى ميونخ يعول نفسه برسم مناظر الطبيعة الألمانية، إلى أن اشتعلت الحرب العالمية الأولى، فكانت الفرصة لحياة جديدة عاشها كجندي. أحب هتلر ميونخ، وعندما جاء إلى السلطة أغدق المال على المشهد الفني فيها. الفنانون التعبيريون الألمان وجدوا أنفسهم في ورطة، موسومين بصفة الانحطاط، ومحتقرين من قبل هتلر ورجاله. وفي عام 1938 افتتح هتلر معرضا كبيرا لأعمال أطلق عليها اسم الفن الألماني "الصحيح"، في مبنى شيّد لهذا الغرض باسم "منزل الفن الألماني"، معبد مهيب للكلاسيكية المحدثة لأوروبا الفاشية الجديدة. وبينما توافد الآلاف قبل عام من هذا التاريخ لرؤية الفن الذي طلب منهم أن يكرهوه، لم تذهب سوى حفنة ضئيلة لرؤية الفن النازي النكهة.

الخبيئة كشفت أثارا فنية نادرة لعباقرة الفن الحديث

لقد كشف مخبأ غورليت أن الكثير من الافتراضات حول النازيين والفن هي ببساطة غير صحيحة.

ما من شك أن معرض "الفن المنحط" هو حقيقة، ولكن، هل يكفي ذلك للقول أن النازيين كرهوا الفن الحديث. هذه القناعة هي بالضبط ما حال دون البحث عن الفنون المنهوبة الضائعة، مثل تلك التي اكتشفت بشقة ميونيخ. العديد من الأعمال التي صودرت من المتاحف بيعت في دول بعيدة، بعضها اختفى تماما.

يميل الحلفاء إلى لوم أنفسهم عند الحديث عن الفنون التي فقدت أو تلاشت في الأربعينيات من القرن العشرين، حيث دمرت كل مدن ألمانيا الكبيرة عن بكرة أبيها، بعد أن قصفت بقنابل البريطانيين والأميركان، عواصف من اللهب لم تبق على شيء في المتاحف وصالات الفنون، إلى جانب قتل الآلاف من المدنيين. العسكر الذين كانوا يصرّون على أن هذه هي الطريقة الوحيدة لكسب الحرب هم المسؤولون عن حرق لوحات لفان كوخ وكارافاجيو.

ولعل أهم حقيقة كشفت، مع اكتشاف مجموعة هيلدبراند غورليت المنهوبة، هي كذب ادّعائه بأن مجموعته قد دمرت خلال قصف درسدن، متهما الحلفاء بحرقها. والسؤال إذا كذب غورليت بتلك السهولة حول مصير مجموعته، فماذا عن المجموعات التي سطا عليها نازيون آخرون ادعوا فقدانها بالقصف زمن الحرب؟

16