أحجية المسرح الدموي

الثلاثاء 2015/07/07

أصبح الأمر أقرب إلى الأحجية المستحيلة التي تحتاج لحل، أحجية تشابه تلك التي طرحها السفينكس على أوديب قبل أن يصبح ملكا، أوديب وجد الجواب، الآن، العالم كله يتحيّر أمام أحجية جديدة، ما الذي لم تنتهكه دولة الإسلام بعد؟

مؤخرا وبطقس لا يمكن إنكار معالم المسرحة فيه أعدم تنظيم الدولة عددا من جنود النظام السوري على الملأ، دولة الإسلام في “ولاية حمص” نظمت حدثا جماهيريا لـ“رعاياها”، وفق طقس فرجة جوهره الرعب، على منصة واحد من أقدم المسارح في التاريخ، أعادت مفهوم التطهير بشكله البدائي، شكله الذي ينقل الرُّعب إلى المشاهد ويحثه على الطاعة، أنظروا مصير أوديب الذي فقئت عيناه لأنه أراد أن يعرف، لأن الآلهة لعنته وسلالاته، أنظروا مصير الكفرة الذين يعادون دولة الإسلام، الموت لأولئك الخارجين عن الطاعة، الجمهور مشدوه على حجارة المدرج متأملا: العَلَم الأسود الكبير معلق فوق تاريخ يفوق قدمه الإسلام نفسه كرسالة، جنود تابعون لنظام ديكتاتوري، مرتزقة من بلدان مختلفة، ثم بثوانٍ، موتٌ جماعي، عناصر المسرح موجودة، والغاية منه موجودة (التطهير)، دولة الإسلام استفادت من المسرح الغربي وأشكال الفرجة المستوردة من الغرب لتقيم طقسا دمويا بامتياز، لا توجد لغة كافية للتعامل مع هذا الحدث، هل يناقش من وجهة نظر مسرحية، أم من وجهة نظر إنسانية؟ هي صفعة بوجه الجميع حين نرى مزيجا من التاريخ والعنف والدماء تقدم للعلن، إلى جمهور لا يستطيع فعل شيء.

دولة الإسلام في الشريط المسجل بعنوان “ويشف صدور قوم مؤمنين” مارست انتهاكا من الصعب أن نراه إلا في الكتب، دمّرت سجن تدمر، وهزأت من النظام السوري ورمـوزه، انتهكت المسرح عبر ممارسة طقوس الوحشية على إحدى أهم خشباته، هذا الانتهاك يصل حد الشعريّة التي نراها في التيـارات الرجيمية في الأدب، أو شطحات الخيال الرومانسي التي تحاول أن تفكك ما هو قائم من تاريخ أو سلطة، الشريط السابق أقرب للغروتيسك، تراجيديا مصعّدة لدرجة الكوميديا، هي مأساة من شدة وطأتها وواقعيتها لا يمكن تصديقها، بل وتصل حد الضحك لاستحالة المشاهد في منزله أن يصدق أن هذا الفعل حقيقة يمارس الآن.

دولة الإسـلام عبـر تسجيـلاتها وخصوصا الأخيرة، بلغت أوج قدرتها على تدمير التصوّر والصور النمطية التي نمتلكها عبر الكثير من التجارب والخبرات، المسرح أعظم الفنون تحول إلى ساحة للقتل العلني والعقاب، سجـن تدمر اختفى عن بكـرة أبيه، الآثـار التي تشكل جزءا من الهوية السورية انتهكت لدرجة أنها تباع على مواقع التواصل الاجتماعي، دولة الإسلام تمكنت خـلال عام من تدمير ما عجزت الكثير من المحاولات عبر التاريخ عن تدميره، رموز الفن، رموز السلطة، رموز الإنسانية.

دولة الإسلام تتحول الآن إلى ظاهرة معولمة ستغزو كل تفاصيل حياتنا، ستحضر كـ”موتيف” بداية ثم تتحول إلى مارد سيميائي يطبع بأنفاسه التاريخ والفن والإنسانية، ما نشهده هو إعادة تفكيك للتاريخ الإنساني ثم إنتاجه بصورة جديدة تكـون الوحشية هي أسـاسها، النظام السوري إلى جانب دولة الإسلام هما إحدى الإهانات للبشرية التي لن تنسى، أما الأحجية فما زالت إلى الآن دون جواب، ما الذي لم تطبعه دولة الإسلام بوسمة العنف حتى الآن؟

كاتب سوري

8