أحداث التاريخ تشبه الرسوم على ورق الحائط

الكثير من الشعوب باتت اليوم مرتدة إلى ماضيها خوفا من التغيير، حيث تعتبر أي محاولة للتغيير أو تفكيك الماضي ضربا للهوية التي يظن الكثيرون أنها معطى سابق، وأنها رهينة التاريخ الحاصل لا يمكن تغييرها، وهو الخطأ الذي يفسره المفكر يان أسمن.
الأربعاء 2018/01/17
تفكيك الماضي والنظر إلى المستقبل (لوحة للفنان سعد يكن)

القاهرة - يخاطب كتاب ليان أسمن “الذاكرة الحضارية.. الكتابة والذكرى والهوية السياسية في الحضارات الكبرى الأولى” بالدرجة الأولى المهتمين بإعادة تركيب الماضي، وإعادة تصور سيناريوهات الحاضر والمستقبل القريب، وذلك بغرض وضع السياقات الحضارية في أطر وتراكيب جديدة، غير هذه الأطر والتراكيب التي نعرفها ونعيش فيها منذ قرون بعيدة.

تفكيك الماضي

يعتبر هذا الكتاب بمثابة خطاب فكري واحد من بين خطابات متعددة وكثيرة في علم الحضارة، وعلى الرغم من أن مترجم الطبعة العربية عبدالحليم عبدالغني رجب يعترف بأن ما يتضمنه الكتاب لا يمكن أن يزعم بأنه يعبر عن الحقيقة المطلقة، ولا حتى احتكار الحقيقة النسبية، إلا أن ما بين صفحات الكتاب ما يساعد على إعادة قراءة النصوص التاريخية التي تعبر عن تاريخنا الإسلامي، والحكم عليه بمنظور منطقي جديد يتناسب مع معطيات العصر الحاضر، ويعتبر تحديا لكل المثقفين والمشتغلين بالهموم الحضارية والتراثية التي تعيشها الأمة الإسلامية حاليا، ذلك أن الكتاب يجعل المثقفين في العالم العربي والإسلامي أمام تحد من نوع خاص، يتمثل في دفعهم إلى إعادة الحكم على ما لديهم من وثائق تتعلق بالتاريخ الإسلامي، حيث يتم التعامل مع مثل هذه الوثائق من جديد انطلاقا من علم الحضارة، وليس من علوم الدين التي تضفي قداسة على النصوص المنزلة.

يؤكد المؤلف أنه لا يوجد أي خوف من أن نقوم بتفكيك الماضي من خلال إعادة قراءة النصوص التاريخية التي تعبر عن هذا الماضي، بل يعتبر أن الخوف من تفكيك الماضي وإعادة قراءة التاريخ بقراءة عصرية بزعم تجنب ”ضياع الهوية”، أو “الحفاظ على الذاتية الحضارية“، هو خطاب الضعيف الذي لا يستطيع العيش مع معطيات الحاضر.

وانطلاقا من هذا فإن أسمن يحاول أن يعالج ما يطلق عليه “إعادة تكوين التراث”، من خلال تطبيق آلية يطلق عليها المؤلف اسم “الآلية الرابطة أو العنصر الرابط”، ووظيفة هذه الآلية كما يطرحها هي القيام بعملية الربط والترابط، ويتم هذا على مستويين، المستوى الأول هو البعد الاجتماعي، والثاني هو البعد الزمني أو التاريخي.

الكتاب يعتبر بمثابة خطاب فكري واحد من بين خطابات متعددة وكثيرة في علم الحضارة تحاول تفكيك الماضي

وتطرح فكرة إعادة التأسيس لما يصفه الكتاب بـ الذاكرة الحضارية” مرة أخرى في ضوء متغيرات جديدة نعيشها في الألفية الثالثة، وهذه المتغيرات تتضمن ما يتوافر الآن من وسائل إلكترونية للتخزين الخارجي للمعلومات، وما تبع ذلك من ظهور ما يعرف باسم الذاكرة الصناعية، وهو ما أعطى الفرصة لانطلاق ما يمكن وصفه بأنه ثورة ثقافية حضارية، لا تقل أهمية عن الثورة التي أحدثتها الطباعة عندما ظهرت لأول مرة.

وفي هذا الإطار يشير المؤلف إلى ما أطلق عليه في كتابات عدد من الباحثين الغربيين بـ”عصر ما بعد الحضارة” وهو المصطلح الذي أسسه الكاتب والناقد الأميركي جورج شتاينر، والذي تخصص في دراسات اللغة والوعي، ويعتبر من أهم الخبراء في علم الحضارة خلال العقود الأخيرة.

التاريخ المتكرر

المؤلف يفترض هنا أن المبدأ الأساسي لأي آلية للربط الحضاري داخل الحضارة الواحدة هو مبدأ التكرار، فالتكرار يضمن ألا تسير خطوط الأحداث داخل الحضارة الواحدة إلى اللا متناهي، بل يجعلها تنتظم في شكل نماذح وأنساق متكررة، يمكن التعرف عليها في أي وقت، ويتضح هذا النموذج، وفقا لافتراض المؤلف، من خلال وجبة العشاء المقدس عند اليهود المعروفة باسم وجبة السيدر، فالكلمة العبرية سيدر، تعني “نظام”، ويقصد بها القواعد المتبعة في الاحتفال بهذه الشعيرة، والتي يجب أن تسير طبقا لنظام موضوع بطريقة صارمة، فكلمة “قواعد”، وكلمة “متبعة” كلمتان ليستا فقط مفتاحين، ولكنهما تشيران في الوقت نفسه إلى ما يعتبره المؤلف في كتاب بلب القضية، وهو “الزمن”.

تفسيرات علمية للتاريخ

بهذا يتم من جانب تحديد النظام الزمني الداخلي الذي يحكم كل عودة وكل رجوع إلى الماضي في كل مرة يتم فيها الاحتفال بالعشاء المقدس، ومن جانب آخر يتم ربط كل عودة وكل رجوع بالماضي وفقا للنظام نفسه، بحيث تكرر أحداث التاريخ نفسها كالرسمة التي تكون على ورق الحائط وتتكرر في شكل نسق لا متناه، في ما يطلق عليه المؤلف مصطلح “الإجماع الحضاري الشعائري”، غير أن المؤلف يعتبر في هذا الصدد أن “العشاء المقدس”، أو “ليلة السيدر” عند اليهود لا تكرر فقط حفلة العام السابق عن طريق اتباع القواعد نفسها، ولكنها تستحضر في نفس الوقت حدثا وقع منذ زمن سحيق، وهو خروج بني إسرائيل من مصر، وحيث يعكس هذا النموذج نمطين مختلفين من أنماط الارتباط والعلاقة بالماضي، النمط الأول هو “التكرار” والنمط الثاني هو “الاستحضار”، بمعنى استحضار صورة من الماضي السحيق.

والدراسات التي عرضها الكتاب تحاول قدر المستطاع الاستفادة من الآلية التي أشار إليها المؤلف في القيام بعملية تحليل جذري للحضارات، حيث يحاول المؤلف من خلال الافتراضات التي يبني عليها كتابه أن يبحث في ديناميكية العملية الحضارية وفقا لتغيرات الآلية الرابطة، وما قد يعتري هذه الآلية من أشكال تصعيدية وتثبيتات أو ارتخاءات وتفككات، وفي هذا السياق فقد استخدم المؤلف أيضا مصطلحا أطلق عليه اسم “القانون الحضاري”، وهو المصطلح الذي اعتبره بمثابة الذاكرة التطوعية للمجتمع التي تحكم حركة التاريخ.

ومع أن الكتاب ينطلق من تفسيرات علمية للتاريخ بمقتضى نظريات علم التاريخ، فإنه يستهل فصوله بقراءات لنصوص من أسفار الشريعة الخمسة التي نزلت على النبي موسى والتي تتعلق بأن يشرح بني إسرائيل لأبنائهم مغزى وفائدة الشعائر والفرائض التي فرضت على بني إسرائيل، كما تغلب على كل صفحات الكتاب الاقتباسات والإشارات إلى النصوص الواردة في التوارة حتى ولو لم يكن هناك داع لهذه الإشارات، دون أن يعقب هذا أي تحليل لهذه الإشارات أو ربطها بمنهج الكتاب.

نذكر أن الكتاب ”الذاكرة الحضارية.. الكتابة والذكرى والهوية السياسية في الحضارات الكبرى الأولى”، لمؤلفه يان أسمن، ترجمة وتقديم عبدالحليم عبدالغني رجب، وصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

14