أحداث العوامية وقميص تقرير بسيوني

الثلاثاء 2014/04/01

ما الذي يحدث في “العوامية”؟ هذا السؤال طُرح على أربعة سعوديين، كنت من بينهم، في البرنامج التلفزيوني “اتجاهات”، الذي تقدمه الإعلامية السعودية اللامعة والجريئة نادين البدير. وبقدر ما كان السؤال مهما وملتبسا في آن، فإن إجابته، على الأقل بالنسبة إليّ، لم تكن صعبة، خاصة وأنني أسكن قريبا من “العوامية” ولي أصدقاء وزملاء كثر من أهلها ومن أهل منطقة القطيف بشكل عام.

ولذلك لم أكن حين انتقل إلي هذا السؤال بحاجة إلى اللف والدوران أو تطبيق نظرية القفل والجسر التي تعرفها مدارس الحوارات التلفزيونية، حيث تعيق مسار الحديث وتصعد بالحوار إلى الجسر الذي تريده أنت وليس الذي يريده المذيع أو مجموعة المتحاورين معك.

ببساطة ما يحدث في “العوامية” هو فتيل صغير من تلك الفتائل التي لم تنطفئ نيرانها منذ قامت الثورة الإيرانية عام 1979. وربما لا يكون هذا الفتيل مرئيا حتى من بعض أهل المنطقة نفسها الذين توضع أمامهم، كما توضع أمامنا، أسباب مستهلكة، مثل الفقر والإحباط، لتفسير ما حدث ويحدث هناك.

لا يوجد في السعودية الآن من ليس لديه مطالب تنموية أو معيشية أو وظيفية أو حقوقية. والدولة تعرف ذلك وتتجاوب معه بقدر لم يرض عنه السعوديون بالكامل إلى الآن. والكُتّاب في المملكة، وأنا منهم، لم نوفر وزارة أو وزيرا إلا وانتقدناه، بهدوء أحيانا، وحدّة أحيانا أخرى، لأداء وزارته ولبطئها أو تراخيها في تنفيذ مشروعاتها التي تمس حياة المواطنين في أي مكان.

وحين أقول أي مكان فإن ذلك يشمل، بطبيعة الحال، منطقة القطيف ويشمل “العوامية” التي هي مثار سؤال تلك الحلقة وحوارها الذي جرى على النحو الذي شاهده الناس يوم الأحد الماضي.

أكثر من ذلك حذر كتاب كثيرون وفي صفحات الصحف المحلية من خطورة تزايد وتيرة الفقر في المملكة، ومن بطالة الشباب والبنات، وتراجع مستوى معيشة فئات في المجتمع وما قد تمثله هذه الوتائر المعيشية المتردية من خطر في المستقبل على سلامتنا الاجتماعية بشكل عام.

ما أريد قوله أن من يعترضون على أحداث “العوامية” لم يمسكوا مبخرة ويدوروا على مكاتب الوزراء ويطلبوا رضاهم ويبرروا تقصيرهم في شؤون وحقوق مواطني المملكة.

لكن، وهنا مربط الفرس، ليس في وارد العقل، أي عقل، أن تكون ردّة الفعل على الفقر أو الإحباط أو عدم توفر الوظيفة أن تمارس العنف اللفظي والتأليب وتحرض الشباب على الخروج إلى الشارع ليصادموا رجال الأمن فتسيل الدماء من الطرفين كما سالت في شوارع العوامية أكثر من مرة.

وعند هذه النقطة بالذات تنبت شوكة الشك، إذ لا يستطيع أحد أن يُقنعنا بأن هذا السياق المتصل من أحداث العنف، التي تصعد وتهبط في تلك البلدة، سببه أحزمة الفقر التي تحيط بها أو قلة حظ بعض أهلها من الحياة، مع أننا نعرف بأن كثيرين من أهل المنطقة يحيون بمستوى معيشي مرتفع أو متوسط مثلهم مثل باقي مواطني المملكة، وقد يفوقون في ذلك مناطق أخرى لم تحظ بنفس إمكانيات الإنماء والتجارة وصناعة المقاولات وفرص الوظائف النفطية والبتروكيمائية.

كما أن الحالة المعيشية المطروحة لبعض أهل “العوامية” أو غيرها من المناطق لم تكن وليدة الساعة، بل هي حالة ممتدة زمنيا ولم تؤدّ في أي وقت إلى العنف وحمل السلاح كما حدث في السنوات الثلاث الأخيرة، التي جرى فيها تصعيد حالة التأليب والنفخ في أبواق التأليب والعنف اللفظي بشكل غير مسبوق. ولذلك لابد لعقولنا أن تفتش عن سبب أو أسباب أخرى لتجيب عن السؤال المتعلق بتفسير ما يحدث هناك.

في يقيني، وهذا ما كررته وأكدته في أكثر من مقالة وحوار تلفزيوني، أن الأصابع الإيرانية تُحرك بشكل ما أحداث “العوامية” ضمن وتيرة تحريكها لأي أحداث عنف تجري في منطقة الخليج العربي وفي بعض الدول العربية مثل العراق والبحرين واليمن ولبنان، وسوريا الآن بطبيعة الحال.

ولعلنا نذكر، ونحن نتحدث عن هذه الوتائر الإيرانية المتربصة، ما رشح في بداية أحداث “العوامية” من تضامنها مع أحداث ما يسمى الحراك الشيعي في البحرين، الذي هو، بالرغم من قميص تقرير بسيوني، لا يمكن أن ينفك عن الرغبة الإيرانية للنفوذ في المنطقة والسيطرة على شعوبها ومقدراتها تحت بند تصدير الثورة الذي بدد ثروة إيران على الحروب وعلى مشاريع التمدد الواضحة في العالمين العربي والإسلامي.

والإيرانيون يضعون الأرقام التي يصرفونها على هذا التمدد في خانة الأسرار القومية الكبرى، لكنها تقدر بمئات المليارات إذا أخذنا في الاعتبار مشاريعهم الفكرية والتعليمية والإعلامية والتسليحية التي تنتشر خارج إيران، لأول مرة في التاريخ، بهذه الصورة الكبرى وهذه الصورة المتوالية والحثيثة.

وعلى سبيل المثال في الحرب العراقية الإيرانية، التي تقع بدون شك تحت بند تصدير الثورة، قُدرت خسائر إيران بما لا يقل عن مائتي مليار دولار، عدا الخسائر البشرية ومئات الآلاف من المعاقين وما يقرب من نصف مليون قتيل.

ولم تكف إيران إلى الآن عن تسخير خزائنها لتنفيذ أجندة النفوذ والهيمنة التي تسعى إليها ولا أعتقد أنها ستكف عن ذلك متى ما وسعها التأثير وأتيحت لها فرص هذا التأثير لدى المتعاطفين معها من كتل الشيعة العرب، الذين ربما نظروا إليها باعتبارها حامي حمى المذهب الشيعي ونصير الطائفة الشيعية التي تتوزع سكانيا في العديد من الدول الخليجية والعربية.

وهذا الرهان على إيران، وإن بدا مغريا ومبررا في نصرة ما تسميه أدبيات الثورة الإيرانية المستضعفين والمقهورين من مواطني هذه الدول، هو رهان خاسر.

والدليل ما يحدث الآن في العراق العربي حين أصبح القصر الجمهوري هناك يدار من طهران بأيد عراقية طائفية يتزعمها نوري المالكي. العراق الآن، في ظل ما يسميه بعض المحللين الاحتلال الإيراني الكامل، يحفر كل ساعة مئات القبور لمواطنيه الذين يتقاتلون على الهوية الدينية ويخسر ثرواته لحساب هذا التقاتل، وهو مهدد كل يوم بالتقسيم جغرافيا والتشظي على المستوى الوطني والاجتماعي.

وهذا ما تريده إيران، وهو أن يطول تفرّق وتقاتل العرب سنة وشيعة، وتضعف بلدانهم بتبديد الثروات والتقسيم لكي تصبح الحاكم المطلق في المنطقة. وما تفعله في سوريا ولبنان والبحرين واليمن يصب في نفس الاتجاه، أي اتجاه الصعود السياسي للقومية الفارسية على حساب العرب وبلدانهم ومقدّراتهم. وبذلك يكون الصراع في حقيقته صراعا سياسيا وقوميا وليس صراعا دينيا.

وإيران تفهم ذلك تماما وتطبقه بحذافيره في كل ما تفعل الآن في الدول العربية. لكن العرب، للأسف، أنظمة وشعوبا ليسوا على مستوى المقارعة المتكافئة مع النوايا والأهداف الإيرانية. فالأنظمة العربية، التي أصيب معظمها في مقتل بعد ما يسمى ثورات الربيع العربي، تعيش ضعفا وهشاشة واضحة في استراتيجياتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، والشعوب تسوقها عواطفها الدينية التي تُستغلُّ من إيران وعملائها، وتستغل من جماعات وتيارات أخرى لتمعن في التفرق والتنابذ والتقاتل.


كاتب سعودي

8