أحداث تطاوين تزيد من انحسار شعبية النهضة في مناطق نفوذها

تلقي أحداث ولاية تطاوين، جنوب تونس، بظلالها على مستوى التأييد الشعبي لحركة النهضة. وبينما اختارت قيادة الحركة التعامل بحذر مع احتجاجات شعبية يعيشها الجنوب التونسي والتمسك بخيار دعم الحكومة، لا يخفي أنصار الحزب على الطرف المقابل انتقاداتهم الشديدة لموقف الحركة الرسمي تمليه البرغماتية السياسية على حساب الانحياز لمطالب تنموية ينادي بها متظاهرون.
الأربعاء 2017/05/24
السلطة بأي ثمن

تونس – يتبنى أنصار حركة النهضة حراكا اجتماعيا يعيشه الجنوب التونسي، لكن توجهات القيادة كانت داعمة بشدة للحكومة، هكذا هو حال حركة النهضة في خضم تعاطيها مع موجة الاحتجاجات. ويعزز موقف الحركة الإسلامية الرسمي التباعد بينها وبين قواعدها التي تزداد غضبا وانتقادا لمواقف الحركة التي ما فتئت تقدم تنازلات مؤلمة، بحسب أنصارها، حفاظا على تحالفات سياسية تضمن لها موقعا في السلطة.

ولا ينكر متابعون للشأن التونسي أن شعبية حركة النهضة شهدت خلال السنتين الأخيرتين تراجعا ملحوظا، على خلفية اتخاذ قيادة الحزب قرارات ومواقف قوبلت بغضب كبير وتحفظات واسعة بسبب ما رأت فيه قواعد الإسلاميين تراجعا عن ثوابت أساسية في خط الحزب ومشروعه السياسي.

ويرى مراقبون أن توجهات وسياسات تتبعها النهضة في سياق منهجية تحالفاتها السياسية تزيد من التباعد بين جزء كبير من أنصار الحزب الإسلامي وقيادته المركزية. وتبرز مؤشرات انحسار تعانيه النهضة من خلال تفضيل نشطاء شباب تيارات سياسية أخرى عن الحركة، أبرزها حراك تونس الإرادة.

وتزيد احتجاجات واسعة النطاق تشهدها ولايات جنوبية، منذ أيام، من حدة القطيعة بين أنصار الحركة والقيادة التي حاولت اتخاذ موقع وسط يوازن بين تقييمها العام للوضع وبين التجاوب مع قواعدها التي يؤيد أغلبها تحركات شعبية منذ انطلاقها، على غرار اعتصام الكامور من ولاية تطاوين.

ونزعت مواقف حركة النهضة من تطورات الوضع في تطاوين إلى الدعوة للتهدئة وإدانة محاولات التصعيد وعمليات التخريب ومهاجمة المنشآت العمومية والخاصة. ووصف مراقبون محليون مواقف الحركة “بمثابة الخيانة والتنكر لقواعد النهضة بالمنطقة” والتي شارك عدد كبير منهم في اعتصام الكامور وفي مظاهرات احتجاجية، خلال الأيام الماضية.

ويشير متابعون إلى أن تصريحات عماد الحمامي، وزير التشغيل وأحد أبرز قيادات التيار الإسلامي في تونس، زادت في شدة الانتقادات للحركة بسبب ما وصفوه تنكرا لمطالب تنموية عادلة رفعها أبناء الجنوب التونسي. ويرجح البعض احتمال تأثير تداعيات سلبية لتصريحات الحمامي على شعبية حركة النهضة بولايات جنوبية، تضم أكبر جزء من أنصارها.

وأشعلت اتهامات الحمامي، بوقوف أطراف لم يحددها وراء تأجيج الأوضاع في تطاوين وإخراج التحركات عن إطارها السلمي عبر قطع الطرق واستهداف المنشآت ومراكز الشرطة، موجة غضب حاد داخل قواعد النهضة خاصة بعد نفي الحمامي لاتهامات موجهة لقوات أمنية باستعمال القوة المفرطة وقتل أحد المحتجين دهسا.

ورفض عماد الخميري الناطق الرسمي باسم حركة النهضة، في تصريح لـ”العرب” الإقرار بوجود اختلافات بين القيادة وأنصار الحزب بخصوص الموقف من أحداث تطاوين. وشدد على أن “موقف أبناء الحركة هو موقف القيادة وهو يستند إلى حوار موسع مع القواعد خاصة من سكان الولاية والذين يرفضون كل انزلاق نحو العنف والتخريب”.

ولفت الخميري إلى أن ما يروج حول قطيعة بين موقف الحزب وقواعده يترجم سعي البعض من الأطراف، وصفهم بأنهم “لا يعنيهم الاحتجاج ولا الوضع في تطاوين”، إلى “كسب نقاط على حساب النهضة”.

وقال الخميري إن “وزير التشغيل تصرف بصفته مسؤولا في حكومة الوحدة الوطنية وضمن اختصاصه باعتباره على مواكبة واطلاع على الملف” من خلال إشرافه على المفاوضات مع معتصمي الكامور.

وبين أن الانتقادات للحمامي تتنزل في سياق التوظيف السياسي لمزيد توتير الأجواء. وأكد أن “أبناء الحركة يتميزون بالانضباط الحزبي، ولا يمكن أن يكونوا أداة لأي طرف وأي أجندات سياسية بعيدة عن النهضة لا مستقبل لها بين قواعدنا”.

ويقول خالد عبيد المحلل السياسي التونسي إن “التباعد بين قواعد النهضة وقيادة الحزب حقيقة بدأت ملامحها في التشكل منذ أواخر 2014”، مبينا أن زمام الأمور في الفترة الأخيرة بدأ في الإفلات من القيادة التي أصبحت عاجزة عن احتواء واستيعاب قواعدها.

ويرجح عبيد أن إحساس قيادة الحزب بعدم قدرتها على السيطرة على القواعد ينعكس بالضرورة على البعض من مواقفها وعلاقاتها على الساحة السياسية.

ويرى عبيد أن الأمر يتجلى في تصريح الحمامي الذي اتهم طرفا سياسيا بتأجيج الوضع بتطاوين “وهي نفس الجهة التي نجحت في استقطاب نسبة كبيرة من قواعد الحزب بالجنوب التونسي خلال الحملة الانتخابية الرئاسية سنة 2014”، في إشارة إلى حراك تونس الإرادة الذي يترأسه الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي. ويتوقع عبيد نشوب خلافات على مستوى قيادات النهضة بشأن كيفية التموقع سياسيا في ظل الأصوات المحذرة داخل أجهزة الحزب من مغبة خسارة خزان انتخابي وقاعدي مؤثر قبيل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

ويرى أن النهضة ستتعرض إلى نزيف داخل قواعدها البشرية، لكنها ستعمل على تدارك هذه الخسارة من خلال الحد من امتداد حزب حراك تونس الإرادة في مناطق نفوذ الحركة الإسلامية التقليدية.

ويقول خالد عبيد إن موطن الخلاف الأساسي يتمثل في أن نسبة هامة من قواعد النهضة لم تستوعب توجه القيادة إلى تكريس الحزب كحركة سياسية براغماتية على حساب الخلفيات الأيديولوجية.

4