أحداث فرنسا: سفه مقابل سفه

الثلاثاء 2015/01/13

إذا تناولنا أحداث فرنسا بعمق أكثر من الذي يتداول حاليا في الإعلام أو في الأوساط السياسية، فإننا نلقي باللائمة على من شرّع أو سمح بالسخرية من الأديان. ذلك السماح الذي يتنافى مع الحريات المزعومة التي ينادي بها الغرب عموما، حيث تصطدم السخرية من الديانات مع الحرية التي يتغنون بها، فمن غير المنطقي أن تجعلني أعبد ما أشاء، وتسمح للآخرين أن يسخروا مني، وليت هذه الحريات تشمل جميع الديانات حتى يمكن أن توصف بالمساواة بين الأديان، وإنما يستثنى من حرية السخرية من الأديان السخرية من اليهود كطائفة فضلا عن السخرية من معتقداتهم، لأن من يفعل ذلك مجرم ومعاد للسامية.

يختلف البشر في كل شيء، ومن ذلك اختلافهم الطبيعي بالتفكير والسلوك، وغير المنطقي هو عدم توقع عمل عدائي ضد من يسخر من مقدسات الآخرين التي يفضلها البعض على ماله ونفسه، فتوقع عمل عدائي أمر طبيعي لأن ليس كل الناس يستطيعون تحمل السخرية من معتقداتهم أو انتماءاتهم الدينية أو الفكرية أو العرقية، ونحن لا نبرر لهم ذلك، وإنما نتوقع رد فعل للفعل الأول الذي هو السخرية التي لا يمارسها ويصر على ممارستها رغم غضب الآخر منه إلا سفيه.

والسفيه الآخر هو ذلك الذي ظن أنه مطالب شرعا بقتل من تطاول على النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعلم أن الصحابة هم أكثر مسلمي الأرض الذين فهموا الدين وطبقوه، لم يقتلوا ذلك اليهودي الذي عرّض بالنبي صلى الله عليه وسلم في وجهه حين قال له: (السام عليك)، وكان الصحابة يستطيعون قتله ولكنهم لم يفعلوا، لأن القتل لا يكون إلا عبر ولي الأمر الشرعي ومن يوكله لهذه المهمة، وإلا دبت الفوضى ومات الإسلام في مهده.

يساء لله في كل يوم حينما يدّعى أن له ولدا، وتكاد السماوات تنفطر منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا، وكل ذلك سببه “أن دعوا للرحمن ولدا”، ومع ذلك لم يأت التشريع الإلهي بقتل من يدّعي هذا الإدعاء رغم كونه كافرا، إلا أن الكفر لا يقتضي القتل في كل الأحوال، بل إن عمليات القتل وكذلك الحساب والعقاب بكل صورها وأشكالها إنما هي مسؤولية الحاكم، وإن قصر بها فلا يوجز ذلك لأحد أن ينصّب نفسه مكانه فيطبق الحدود أو أي من العقوبات وإلا لأصبح الإسلام شذر مذر ولتفتت بين فهم هذا واجتهاد ذاك، ولضاعت الحقوق وانعدم الأمن وانتهت وحدة المجتمع التي جاء الإسلام ليعززها ويجعلها أمة واحدة ذات قوة عظمى أسقطت أعظم الدول آنذاك، ولم يضعف تلك القوة إلا التفرق والتشتت.

لقد جاء حديث الرسول عليه الصلاة وسلام “عليكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن ولي عليكم عبد حبشي” بعد أن قال الصحابة للرسول: “كأنها موعظة مودع فأوصنا يا رسول الله”، فجاءت تلك الوصية العظيمة بتقوى الله والسمع والطاعة لحفظ وحدة المجتمع وقوة الدولة حيث تحفظ بهما الأنفس والأموال والأعراض، وبدونهما ينعدم الأمن وتدب الفوضى التي نشهد مشاهد منها اليوم في دول عربية مسلمة يخرج فيها الرجل إلى حاجته وهو لا يعلم أيعود أم لا.

فلا يجب السخرية من أحد، ولا يجب على الأفراد معاقبة أحد مهما أخطأ، لأن ذلك ليس من دين الله، ولأنه يعرض الأمن للخطر، وخلاصة ما نعتقده فيما حصل للصحيفة الفرنسية أن الله ضرب ظالمين بظالمين مصداقا لقوله تعالى: “وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون”، ونحن نبرأ إلى الله مما فعله الطرفان.


كاتب صحفي كويتي

8