أحدث اختراعاتهم

عقول كثير ممن حولنا من أهل الشرق، محصّنة بالرصاص والفولاذ ضد التغيّر الزمني، لذلك ما زالت تعيش في الماضي البعيد.
الجمعة 2020/11/13
غربة الإنسان عن محيطه

فيما يتسابق العالم، هذه الأيام، على الظفر بلقاح أو علاج لفايروس كوفيد – 19 الذي قلب الدنيا ولم يقعدها، يخرج علينا بعض المشايخ، ممن يحاولون استثمار ”استغلال“ العلم لصالح عقائدهم، وكي يكيفوا البشر بعدها على هواهم، باختراع جديد.

في فيديو انتشر مؤخرا ينطلق رجل دين من الحديث عن درجة ميلان الأرض، ومن دورانها حول الشمس، والصيف والشتاء، ليقول في النهاية ”سبحان الله، هذا الإنسان الذي جاء إلى هذا الكوكب من الفضاء الخارجي، من خارج المنظومة، ليسيطر عليها بفضل تسخير الله جميع الكائنات له“.

الإنسان كائن فضائي! حسنا. ولم لا؟ بالطبع هو يقصد ذلك الإنسان الذي كان في جنة السماوات وعوقب بإنزاله من الفردوس الفضائي إلى هذا الكوكب. قد تكون الفكرة مثيرة في البداية، وتشعر الإنسان بالأثر الذي تركته أفلام الخيال العلمي على عقول رجال الدين، وبالطبع حين نتحدث عن رجال دين فنحن نقصد جميع الآباء والحاخامات والملالي، لكن الحقيقة أن العلم، الخيالي والواقعي، هو آخر همهم.

فالهدف ليس الفضاء ولا كل تلك القصص، بل ترسيخ فكرة ”خارج المنظومة“ لجعل الإنسان غريبا عن محيطه، مغتربا عنه، ولاحقا غازيا له فاتكا فيه. تماما كما يمكن لعقل سطحي أن يتخيل كائنات فضائية تغزو الكوكب وتدمّره.

”من خارج المنظومة“ هي المشكلة، لا في التفكير الديني وحسب، بل في كل ما يمكن أن ينتج عنه. فالحزب الديني، ينظر إلى نفسه على أنه ”خارج المنظومة“ وكل الآخرين كفّار، بالضرورة. وكذلك ينظر الحزب العرقي العنصري، فالآخر بالنسبة إليه ”خارج المنظومة“ التي يفكّر فيها هو، وإلا لرأينا في حزب أرمني أو كردي أعضاء عربا، أو لرأينا في حزب تركماني أعضاء أكرادا أو شركسا، وهكذا. المنظومة وداخلها وخارجها.

وقد قرأت مرة عن منظومة رصينة وأخرى غير رصينة، فظننت أن الأمر متصل بالثقل والحضور الوازن والأخلاق في الحياة العامة، وإذا به أخطر وأهمّ، فالمنظومة الرصينة هي النظام المستقل زمنيا، وهي التي لا تستجيب لمتغيّر في عامل الزمن. وحين تقرأ أكثر عن تلك المنظومة الرصينة، في الفيزياء، فستجد ثلاثة أمثلة شهيرة هما ”المصباح“ والحنفية“ وهما من المنظومات الرصينة، التي لا تتأثر بالزمن.

أما المثال الثالث فهو عقول كثير ممن حولنا من أهل الشرق، محصّنة بالرصاص والفولاذ ضد التغيّر الزمني، لذلك ما زالت تعيش في الماضي البعيد، وتريد مع ذلك السيطرة على المنظومة الاجتماعية والسكانية والثقافية، والبقاء ممسكة بزمام الأمور بالأدوات المتخلفة ذاتها. ويقولون لك نحن كائنات فضائية!

24