أحزاب الترويكا التونسية تفتتح حملاتها الانتخابية قبل الأوان

الثلاثاء 2014/04/01

منذ الانتهاء من كتابة الدّستور التونسي يوم 26 يناير 2014 وإعلان ولادة الحكومة الجديدة انسجاما مع خارطة الطريق التي وضعها الرباعيّ الرّاعي للحوار الوطنيّ وأمضت عليها الأحزاب السياسيّة، شرعت أحزاب الترويكا (ثلاثي الأحزاب الحاكمة) في حملاتها الانتخابيّة الرئاسيّة قبل الاتّفاق على القانون الانتخابيّ، ولم تتأنّ الترويكا حتى تجسّ نبض التونسيّين حول موقفهم الحقيقيّ منها، ولم تقيّم تجربتها في الحكم.

فانتشر وزراء النهضة المستقيلون في الجهات الدّاخليّة يشرحون لمريديهم نجاحهم في الحكم، وسافر قادتها إلى الغرب والشرق بحثا عن الدّعم الأجنبيّ وتسويقا لصورة النهضة الديمقراطيّة التي تخلّت عن الحكم طواعيّة خلافا للحقيقة طبعا.

وتكلّم راشد الغنوشي في بروكسيل يوم 22 مارس متحدّثا عن خطر الإرهاب في تونس ومطالبا بمشروع شبيه بمشروع مارشال في تونس. ولم يذكر الغنّوشي أنّه وحزبه كانا سببا في انتشار الإرهاب والعنف السلفيّ.

ولكنّ مطالبته بمشروع مارشال تكفي لبيان خيارات النهضة الاقتصاديّة الليبراليّة التي تعوّل على التداين والارتهان للخارج. ولا تهتمّ أبدا بإنتاج الثروة والاستثمار في التعليم والمعرفة.

كما سارع رئيس الحكومة الأسبق النهضويّ المستقيل حمّادي الجبالي إلى الاستقالة من الأمانة العامّة للمكتب التنفيذيّ لحركة النهضة، ملمّحا إلى أنّه استقال من الحركة ليستعدّ لخدمة تونس وكأنّ حزبه لم يكن يخدم تونس.

كما أنّ الجبالي يراهن على أنّ التونسيّين سينسون بسرعة مواجهة احتجاجات محافظة سليانة الفقيرة بالرشّ ممّا تسبّب في عمى العشرات من شبابها، وأنّهم سينسون ذلك الخطاب الصّلِف الذي وجّهه إليهم والذي مضمونه أنّه لن يقيل الوالي مهما كان الثمن.

ولا أعتقد أنّ التونسيّين سينسون الاعتداء على الحقوقيّين والنقابيّين والمثقّفين والسياسيّين يوم 9 أبريل 2012، ولا سحل الشهيد لطفي نقّض في أكتوبر 2012، ولا الاعتداء الإجراميّ على المقرّ المركزيّ للاتّحاد العام التونسيّ للشغل يوم 4 ديسمبر 2012 من قبل رابطة العنف المدعومة من النهضة والمؤتمر وأحزاب متشدّدة أخرى، ولا اغتيال الشهيد شكري بلعيد يوم 6 فبراير 2013. كلّ هذه الأحداث المؤلمة وقعت في عهد حكومة حمادي الجبالي الذي يقدّم نفسه مرشّحا لرئاسة تونس حتى قبل الاتّفاق على القانون الانتخابيّ. أيّ ولع هذا بالحكم، وأيّ غواية للسّلطة؟

حمّادي الجبالي ليس وحده من بين سياسيي الترويكا الذي يفكّر في الرئاسة، وإنّما أيضا الرئيس المؤقّت الحالي منصف المرزوقي ورئيس المجلس التأسيسيّ مصطفى بن جعفر. ولكنّ المرزوقي يرفض الاستقالة من منصبه ويستغلّ أموال الشعب وإمكانيّات الدّولة في حملته الانتخابيّة. وقد دعاه الجبالي للاستقالة من منصبه إذا رغب في الترشّح للرئاسة.

كما وجّه له الجبالي لكمة موجعة حين كشف مؤخّرا عن أنّ المرزوقي كان على علم مسبق بتسليم البغدادي المحمودي (رئيس الوزراء الليبي الأسبق) إلى ليبيا، خلافا لما قاله المرزوقي الذي ادّعى حينها أنّه كان في الجنوب التونسيّ وتعذّر الاتّصال به، وربّ عذر.

المرزوقي خيّب آمال التونسيّين لاسيّما الحقوقيّين الذين ينتمي إليهم والمثقّفين. وتعْلَق بذاكرة التونسيّين حواراته التلفزيونية خارج تونس التي تهجّم فيها على العلمانيّين وتوعّدهم بالمشانق. كما تعلق بأذهانهم صوره مع الإرهابيّين والمتشدّدين والدّعاة الذين فتح لهم قصر الرئاسة للاستضافة وتقديم المحاضرات.

وكان يرسل مدير ديوانه عماد الدّايمي لاستقبال الدّعاة استقبالا رسميّا في مطار قرطاج. ولم يخف حزبه “حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة” والأحزاب المنسلّة منه كحركة “وفاء” دعمها لرابطات حماية الثورة المورّطة في التعنيف والتهديد وحتى الاغتيال. ولم يكن المرزوقي داعما للحوار الوطنيّ في بدايته، وعمل في أكثر من مرّة على سحبه من اتّحاد الشغل وتحويله إلى قصر الضيافة، ولكنّه كان يفشل في كلّ مرّة في أداء دوره في تجميع السياسيّين التونسيّين.

مصطفى بن جعفر (رئيس المجلس الوطني التأسيسي) يبدو الأقلّ مشاكل من بين مرشّحي الترويكا الآخرين. فقد كان وحزبه رافضين للعنف ومدافعين عن الاتّحاد ومناضليه. وكان قريبا من المزاج العام للحقوقيّين والمثقّفين والنقابيّين. ويعتبر الوحيد الذي نجح في مهمّته (كتابة دستور جديد لتونس) بعد أن فشل الجبالي وعزل المرزوقي نفسه.

ولكنّه كثيرا ما اتّهم بمجاملة حلفائه في الحكم والتستّر عليهم وترضيتهم. وتبقى الضربة القاصمة لعلاقة حزب التكتّل بحركة النهضة هي ميزانيّة 2014 التي قدّمها إلياس الفخفاخ وزير الماليّة المنتمي إلى التكتّل، والذي تفاجأ بصندوق التعويض “صندوق الكرامة” الذي فرضه النهضويّون بشكل مفاجئ في الوقت الذي ينتظر فيه التونسيّون التشغيل والتنمية.

أحزاب الترويكا لم تنجح في الحكم، وتتطلّع إلى تكرار التجربة دون نقد ولا تقييم، وهذا يعتبر استهتارا بمشاعر التونسيّين وبمصالحهم ومستقبلهم.


كاتب وباحث سياسي تونسي

8