أحزاب السلطة في العراق تكسب معركة التعجيل بالانتخابات

الصراع الذي دار في العراق حول تحديد موعد للانتخابات القادمة، حسم أخيرا وفق منظور القوى الممسكة بزمام السلطة والقائدة للعملية السياسية، والتي لن تكون انتخابات مايو القادم سوى محطّة جديدة تعود من خلالها إلى مواقع القرار لتواصل دورها في ممانعة التغيير وحماية الوضع القائم.
الثلاثاء 2018/01/23
نفس الصناديق.. نفس النتائج

بغداد - حسم مجلس النواب العراقي، الاثنين، “المعركة” التي دارت خلال الفترة الماضية حول موعد الانتخابات، لمصلحة المتمسّكين بإجرائها في الموعد المحدّد سلفا بالثاني عشر من مايو القادم، وذلك بالتصويت على قانون الانتخابات البرلمانية، فيما أصدر رئيس الجمهورية فؤاد معصوم مرسوما يحدّد التاريخ المذكور موعدا للاقتراع العام.

ويمثّل حسم الخلاف على الموعد بهذا الشكل انتصارا للأحزاب الشيعية الكبرى القائدة للعملية السياسية والممسكة عمليا بالسلطة، وهي على وجه العموم من أصرّت على عدم تأجيل الاستحقاق على سبيل اغتنام الظرف القائم والتحسّب لأيّ متغيرات للحصول على نتائج تدعم مراكزها في قيادة البلاد، ما سيعني بالنتيجة إدامة الوضع القائم في العراق منذ سنة 2003 وتقليل فرص حدوث تغييرات، على الأقل في الوجوه والشخصيات التي تتولى المراكز القيادية المهمّة.

وكان الصراع على موعد الانتخابات بين دعاة التعجيل والتأجيل قد دار أصلا على أساس المصلحة الحزبية والشخصية ولضمان الدور والمكانة في عراق ما بعد داعش، وإن تمّ تغليفه بذرائع قانونية ودستورية بالنسبة للطرف الداعي لإقرار الموعد المحدّد، وبالحرص على مصلحة سكان المناطق المدمّرة بفعل الحرب على داعش والذين لا يزال أغلبهم في المناطق التي نزحوا إليها فرارا من الحرب، حيث دفعت أحزاب وشخصيات سنية باستحالة إجراء الانتخابات في تلك المناطق.

وتضمّن القانون الذي سينظم اقتراع مايو، فقرة تنص على رفع سقف التحصيل الدراسي للمرشح، من الإعدادية إلى البكالوريوس، لكنه تجاهل إثبات فقرة تمنع المدانين بقضايا الفساد من الترشح.

وحوّلت سلسلة التطورات المتسارعة، خلال اليومين الماضيين، الانتخابات العامة في العراق، من ملف يحيط به الجدل إلى استحقاق دستوري تلتزم بتحقيقه السلطات المختصة في موعده.

وانقسم البرلمان بشأن موعد الانتخابات، لكن المحكمة العليا في العراق حسمت الجدل وأفتت بعدم دستورية التأجيل، لتجد السلطة التشريعية نفسها ملزمة بالانتهاء سريعا من مهامها في هذا الشأن.

والتأم البرلمان العراقي الاثنين بحضور 206 من النواب يمثلون جميع الكتل البرلمانية بما فيها الكتل السنية والكردية، ليصوت على اعتماد يوم 12 مايو الذي حددته الحكومة سابقا موعدا للانتخابات، لكنّه ألزم السلطة التنفيذية بتحقيق عدد من الشروط التي تضمن نزاهة الاقتراع من التصويت الإلكتروني في جميع المناطق، ومنع المظاهر المسلحة خارج أجهزة الدولة المختصة، وتوفير مستلزمات التصويت للنازحين السنّة في المخيمات والذين يقدر عددهم بنحو مليوني شخص. وبعد ذلك بدقائق، صدر مرسوم من رئيس الجمهورية يثبّت الموعد المشار إليه.

وحسب متابعين للشأن العراقي فإن مختلف تلك الاشتراطات والضوابط لن تعني، حتى في حال تطبيقها بحذافيرها، ضمان إجراء عملية انتخابية شفّافة وخالية من التزوير، فضلا عن أن أغلب الاشتراطات ستظل حبيسة الأوراق التي كتب عليها ولن تأخذ طريقها للتنفيذ الفعلي، من قبيل منع المظاهر المسلّحة وملاحقة جميع النازحين في المخيمات بمعدات التصويت ومستلزماته، والحال أن الدولة عجزت من قبل عن إيصال المواد الأساسية الضرورية للحياة لعشرات الآلاف من هؤلاء النازحين.

ومن بين التعديلات التي تضمّنها القانون الجديد، رفع سقف التحصيل الدراسي للمرشح من الإعدادية إلى البكالوريوس.

ومن المرجّح أن يرغم هذا التعديل عددا من الساسة الذين لا يملكون أكثر من الإعدادية، على تزوير شهادة البكالوريوس للحاق بالسباق الانتخابي، ذلك أن تزوير الشهادات العلمية في العراق أصبح أمرا مألوفا فرضه إطلاق عملية سياسية على عجل بعد الاحتلال الأميركي، وكان لا بدّ لها من لاعبين جدد يعوّضون الآلاف من الكفاءات الذين استبعدوا من مختلف المؤسسات والأجهزة بذريعة اجتثاث رموز نظام حزب البعث.

ويؤكّد عراقيون أنّ أجهزة الدولة بفعل التزوير واعتماد المحسوبية والمجاملة في التعيين، تعجّ بالأميين وأشباه الأميين بما في ذلك الأجهزة الأمنية.

وقال النائب عن محافظة صلاح الدين، مشعان الجبوري، إن البرلمان تجاهل طلبه بإدراج فقرة في قانون الانتخابات تمنع المدانين بقضايا فساد من الترشح إلى الانتخابات. وأضاف موضّحا أنّ محافظ صلاح الدين، أحمد الجبوري، الذي ينوي الترشح للانتخابات القادمة أدين في قضية فساد، لكنه دفع نحو 3 ملايين دولار، وفق قانون العفو العام، وعاد إلى ممارسة مهامه بعد سجنه لنحو شهرين.

وفي ما يتعلق بآلية احتساب أصوات الفائزين وتوزيع المقاعد، أقر القانون صيغة 1.7 من نظام “سانت ليغو”. وهي صيغة، بحسب مختصين في قضايا الانتخابات، تمنع الأحزاب الناشئة والتحالفات الصغيرة من التنافس بعدالة مع الأحزاب والكتل الكبيرة التي ستكون على موعد متجدّد مع السلطة بعد مايو القادم، ولتعود بذلك جدار صدّ ضدّ تغيير الأوضاع التي أفضت بالعراق إلى ما هو عليه اليوم من ضعف وتراجع على مختلف المستويات والصعد الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

3