أحزاب الله الإيرانية

نصرالله وأشباهه هم المندوبون السامون الإيرانيون في الدول التي تتغلغل فيها إيران. ومن يمثل المرشد بفكره وإرهابه يبيع الوهم للناس من الأقبية والملاجئ التي يعيش فيها.
الخميس 2019/10/03
عندما يقول نصرالله إن ولاءه للمرشد الإيراني فهو لا يكذب أبداً

في ذكرى عاشوراء الأخيرة أعاد الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصرالله التذكير بولائه لإيران. يحمل التذكير طبعاً رسائل عديدة للداخل والخارج مذيّلة بختم المرشد، ولكن الأهم من كل هذه الرسائل هو لغة التهديد التي يستخدمها الحزب للدفاع عن إيران بوصفها الوطن الحقيقي له.

يزبد ويرعد حسن نصرالله بوجه كل من يحاول المساس بإيران، وعندما يتحدث عن لبنان ينتقي كلماته بعناية كي لا يُفهم منها أنه يريد الحرب مع إسرائيل وحلفائها. من أجل لبنان يمكن لحزب الله أن يستهدف ناقلة جند إسرائيلية متهالكة، ولكن في سبيل إيران يمكن أن يعلن الحرب على العالم بأجمعه.

انتماء الحزب إلى لبنان لا يعني شيئا عندما يتعارض مع مصلحة إيران، كذلك حال كل أشباه الحزب في الدول التي تمدد فيها. فأصل الولاء هو لولاية الفقيه فكرا ومرجعية وعقيدة، أما علاقة أحزاب الله الإيرانية مع البيئات التي تعيش فيها، فما هي إلا زي تنكري ترتديه كي لا يبدو نشازاً يخالف المحيط المحلي.

تحول حزب الله اللبناني إلى دولة داخل الدولة. كان بالنسبة لإيران نجاحاً يشجع على استنساخ التجربة في دول عربية أخرى. استقام لها الأمر حيث توافرت ذات شروط ولادة الأصل اللبناني. بينما فشل في الدول التي تتمتع بسلطة وسيادة حقيقيتين. فالبيئة المثالية لولادة هذه الكيانات الإيرانية هي الحرب، وكلما كانت الدول تعاني انقساما ووهنا جاء الجنين أسرع وأقوى.

حافظت إيران على الاسم ذاته في كل نسخة من نسخ حزب الله زرعتها خارج لبنان، ولكن في دول مثل العراق واليمن وسوريا، كان أمامها فرصة لأن تنجب توائم من رحم الحرس الثوري. فكان حزب الله وكان أيضا الحشد الشعبي في العراق والحوثيون في اليمن وفي سوريا العديد من الأسماء التي تعيث فساداً في البلاد ليل نهار.

ولم تتوقف محاولات إيران لاستنساخ حزب الله على الدول العربية، فزرعت بذورا منه في دول أفريقية وأوروبية وأميركية، منها ما أنتج غرساً فعلا مثل حزب الله النيجري، ومنها ما لا يزال يمد جذوراً في التراب لعله يجد يوماً فرصة للخروج إلى سطح الأرض ونشر سمومه في الهواء والماء والبشر.

دراسات مختصة تقول إن عملاء أحزاب الله ينتشرون في اثنتي عشرة دولة على الأقل في أميركا الجنوبية، أما في أوروبا فقد دفع التوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران بسبب الاتفاق النووي الإيراني، إلى تدقيق الحكومات الأوروبية في أنشطة أحزاب الله في دول القارة العجوز، وتنازلت هذه الحكومات عن سياسة التفريق بين الأنشطة السياسية والعسكرية لهذه الأحزاب، إما لاكتشافها خلايا إرهابية نائمة لها، أو لإدراكها المتأخر أن كل أنشطة أحزاب الله مهما اختلفت أنواعها، هدفها شيء واحد فقط وهو خدمة المصالح الإيرانية، سياسيا واقتصاديا وأمنياً وعسكريا.

لا تجد أحزاب الله أي حرج في المجاهرة بإيرانيتها. ولم يعد شعار المقاومة الذي ترفعه ضد إسرائيل والولايات المتحدة، ضروريا لتمويه انتمائها الطائفي بمفهومه الضيق جداً. يدرك الجميع أن المقاومة الوحيدة التي تمارسها هذه الأحزاب هي تلك التي تهدف إلى إجهاض أي مشروع وطني يسعى لاسترداد سيادة الدول الحاضنة لها من هيمنة طهران وسلطة نظام الولي الفقيه.

كذلك لا تخشى أحزاب الله الإيرانية سلطات الدول التي تعمل فيها. ومفهوم الوطنية بالنسبة لها هي كيفية ربط سيادة هذه الدول بمصالح طهران، فلا تُشكل حكومات أو يعين مسؤولون أو تجرى انتخابات أو تؤخذ قرارات، إلا وفق معيار واحد وهو المصلحة العليا لإيران. حتى ولو كان ذلك على حساب الحاضنات الشعبية لهذه الأحزاب في دول إقامتها أو استيطانها، فلا وطن لهذه الأحزاب إلا إيران.

ولعل أبلغ الدلائل على “لا وطنية” أحزاب الله في الدول التي تتطفل عليها، هو حال المناطق التي تسيطر عليها هذه الأحزاب. فهي تشكو من سوء الخدمات بكافة أشكالها، وسكانها يرزحون تحت وطأة الفقر والفساد والترهيب الذي تنشره هذه الأحزاب بذريعة الاستعداد لخطر يتهدد البلاد من الداخل أو الخارج.

تجربة الانتخابات البرلمانية اللبنانية الأخيرة فضحت ذلك بوضوح، فقد هام حزب الله على وجهه مستجديا أصوات سكان مناطق الجنوب الذي سئموا الحالة المتردية التي يعيشونها في ظله منذ سنوات طويلة. لم تعد المقاومة مبررا كافيا لهم للعيش بأسوأ الشروط والخدمات مقارنة بمناطق أخرى لا يحكمها حزب الله.

ولا تتعلق مآزق أحزاب الله في حاضناتها الشعبية بسوء الخدمات فقط، وإنما أيضا بحالة الحياة المؤجلة التي يعيشها سكان مناطق هذه الأحزاب بانتظار “الحرب مع العدو”. تمر العقود، واحداً تلو الآخر، وهم ينتظرون وقوع “الحرب المقدسة” التي يواصل قادة أحزاب الله التبشير بها والترويج لها كبوابات للجنة المنتظرة.

في الحياة المؤجلة التي يعيشها أنصار ومؤيدو أحزاب الله الإيرانية، تحول الكثير منهم إلى مهربين وقتلة وعسس وتجار مخدرات وأسلحة ومبيضي أموال. ولماذا هذا؟ من أجل توفير الدعم المادي واللوجيستي لإيران من جهة، والمساعدة في تمددها وتوسعها حول العالم من جهة أخرى.

في إطار الاستعداد لحروب أحزاب الله الإيرانية، والتي لا يبدو أنها ستأتي أبداً، صنعت إيران إرهابا ونشرته حول العالم. إرهاب هذه الأحزاب لا يختلف أبداً عن إرهاب تنظيم داعش، فهي تواجه من يعارض أهدافها وسياساتها بالحديد والنار، وتقتل أنصارها بالوهم والفساد والكذب والتزييف والتضليل.

مهما كذب حسن نصرالله وأشباهه على أنصارهم فلن تُوصل حروبهم إلى نصر ولن تُسترجع مقدسات. فهي تشن باسم إيران وليس باسم المقاومة كما يدعون. وإيران تريد فقط احتلال الدول عبر مجموعات من أبنائها الذين اختاروا المرشد قائدا وزعيماً، وفضلوا العلم الإيراني على رايات بلدانهم.

الحقيقة المزيفة لأحزاب الله الإيرانية قد فضحت منذ سنوات. تكاثرت في دول عربية عدة بحجة أن الطريق إلى القدس يمر منها، والنتيجة احتلال إيران لخمس عواصم عربية بينما بقيت القدس تئن تحت الاحتلال الإسرائيلي.

أكذوبة “المقاومة” لم تعد تنطلي على أحد، وإدراج أحزاب الله على قوائم الإرهاب عربيا وغربياً ليس استهدافاً للقضية الفلسطينية، وإنما مقاومة للاحتلال الإيراني وثأراً لكل شاب وكهل وطفل وامرأة، قتلوا أو أصيبوا برصاص أحزاب الله في الدول التي نالت هذه الأحزاب من ثورات شعوبها ضد الاستبداد.

لا نبالغ بالقول إن محور “المقاومة” وأحزاب الله الإيرانية هم من أفقد القضية الفلسطينية رمزيتها؛ هم من عبثوا بالمفاهيم وبدلوا الحقائق. فصنعوا من العدو الإسرائيلي أسطورة لا تقهر، وحوّلوا المقاومة إلى حالة مستمرة من الدفاع عن النفس، أما حرب التحرير فستكون في المكان والزمان اللذين لن يأتيا أبداً.

عندما يقول نصرالله إن ولاءه للمرشد الإيراني فهو لا يكذب أبداً. هنا تحديدا، وهنا فقط، يصدق نصرالله في خطبه ووعوده. أما ذلك المزاح الذي يداعب به إسرائيل بين الفينة والأخرى فهو تضليل صرف لحقيقة أن أحزاب الله الإيرانية لا تكترث لتحرير أو استرداد مناطق محتلة. فهي من يحتل وهي من يرهب ويقتل.

نصرالله وأشباهه هم المندوبون السامون الإيرانيون في الدول التي تتغلغل فيها إيران. ومن يمثل المرشد بفكره وإرهابه يُكتبُ عليه العيش خائفاً ومتخفياً يبيع الوهم للناس من الأقبية والملاجئ التي يعيش فيها. يفاخر، ليل نهار، بأنه أقوى من العدو، ولكنه هو من يختبئ وهو من يعيش قلقاً ويظل مسكوناً بعصاب الموت.

8