أحزاب تونس ما بعد الثورة تفتعل معارك جانبية للتغطية على فشلها

تجاذبات داخل البرلمان تهزّ ثقة التونسيين في جدية الطبقة السياسية في معالجة التحديات الراهنة.
الأحد 2020/07/19
احتقان متزايد

تونس – وسط تراشق حاد بالاتهامات وتلاسن بين مكونات المشهد السياسي، دخلت تونس أتون أزمة سياسية شاملة تمددت من الحكومة لتشمل البرلمان وغيره من مؤسسات الدولة ما يثير شكوكا حول رغبة الأطياف السياسية في إيجاد مخرج لأزمات البلاد الاجتماعية والاقتصادية.

وكانت الضغوط المسلّطة على رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ قد أرغمته على تقديم استقالته الأسبوع الماضي لتنتهي بذلك معركة ليّ الأذرع بين حركة النهضة الإسلامية والفخفاخ الذي لم تنجح حكومته في الصمود لستة أشهر.

وفي خضم الأزمة السياسية الخانقة التي دفع إليها تعطل أشغال البرلمان كذلك بسبب تجاذبات بين الحزب الدستوري الحر (مناصر للنظام السابق الذي أطاحت به ثورة 2011) وائتلاف الكرامة الإسلامي تُطرح مجددا أسئلة بشأن جدية الطبقة السياسية في معالجة التحديات الراهنة.

وأفرزت انتخابات أكتوبر الماضي برلمانا منقسما على نفسه حيث لم تحصل النهضة الفائزة سوى على ربع المقاعد فقط (52 مقعدا) بينما تقاسمت بقيّة الأحزاب المتباعدة فكريا وأيديولوجيا بقية المقاعد.

ناجي جلول: جل القطاعات في تراجع وصورة تونس خارجيا تتم الإساءة إليها
ناجي جلول: جل القطاعات في تراجع وصورة تونس خارجيا تتم الإساءة إليها

ويرى متابعون أن التشنج الذي بات يهيمن على المشهد العام والذي ينبئ بعودة الاستقطاب الثنائي (ما بين إسلاميين وعلمانيين) يؤكد تململ الشارع من الأحزاب سواء الحاكمة أو التي خيّرت الانضمام إلى معسكر المعارضة وصلت حد اتهامهم بافتعال “حرائق سياسية” للتهرب من وضع حلول للأزمات التي تعصف بالبلاد.

فبعد أكثر من 10 سنوات على ثورة يناير، التي انتفض خلالها التونسيون على استشراء الفساد وتدهور الأوضاع المعيشية، يجدون أنفسهم اليوم أمام مشهد مماثل حيث فشلت الدولة في القضاء على هذا الأخطبوط بل تمكن أباطرته من تحقيق مزيد من الاختراقات في الحياة السياسية والعامة.

ولم يقتصر عجز الدولة فقط على ضرب أيادي الفاسدين خلال العشرية التي تلت الثورة بل امتد إلى فشلها في خلق موارد جديدة تؤمّن الوظائف وعائدات لخزينتها ما جعل البلاد ترزح تحت وطأة الاضطرابات الاجتماعية للمطالبة بالتنمية لاسيما في الجهات التي يقول أهاليها إنهم ظُلموا منذ بداية دولة الاستقلال (1956).

ومؤخرا عادت هذه الجهات لتنتفض من أجل المطالبة بالتشغيل والتزام الحكومات بتعهداتها تجاهها.

وفي أحدث تصعيد بين السلطات والمحتجين، أغلق شباب مدينة تطاوين (جنوب) محطة لضخ البترول للضغط على الحكومة من أجل تنفيذ اتفاق وقعته معهم الحكومة السابقة.

وفي تعليقه على الاحتقان الاجتماعي يقول ناجي جلول، وهو وزير سابق وناشط سياسي حالي، إن التونسيين مصابون باليأس من الطبقة السياسية الحالية”، مضيفا “هذه طبقة أعجز من أن تستجيب لتطلعات الشعب وقد تقود البلاد إلى حرب أهلية بخطابها التحريضي والمتشنج.. صحيح راشد الغنوشي أخطأ ولم يحسن تسيير البرلمان لكن تنحيته فقط لا تعني انفراج الأزمة”.

لكن نسرين العماري النائبة عن كتلة الإصلاح الوطني بالبرلمان لا تُساير جلول في رأيه حيث تقول في تصريحات لـ”العرب”، “رئيس مجلس النواب أنشأ مكتب مواز له.. هذا المكتب سمح لشخص مشبوه بدخول البرلمان وهو عائد من بؤر التوتر.. عدم قدرة رئيس البرلمان على تسيير الجلسات وحلّ المشاكل جعلتنا نتقدم بلائحة لسحب الثقة منه في احترام تام للقانون والنظام الداخلي للمجلس ولم تدفعنا إلى ذلك أحقاد أيديولوجية”.

وتضيف العماري “هناك أطراف تسعى لاستحضار ما شهدته البلاد في 2011 وتدمير الدولة من الداخل” في إشارة إلى حالة الفوضى التي عمّت بعد ثورة يناير.

وأمام حالة الانقسام الداخلي والتجاذبات التي لا تكاد تنتهي تتكثف الدعوات إلى ضرورة الذهاب في حوار وطني في تونس.

نسرين العماري: هناك من يسعى لاستحضار أجواء 2011 وتدمير تونس من الداخل
نسرين العماري: هناك من يسعى لاستحضار أجواء 2011 وتدمير تونس من الداخل

ويقول ناجي جلول في تصريح لـ”العرب”، “البلاد تعيش حالة شلل تامة ما يجعل صوت الحكمة مفقودا. فجلّ القطاعات في تراجع وصورة تونس خارجيا تتم الإساءة إليها حاليا. كيف يمكن إقناع مستثمر أجنبي في ظل هذا التشرذم وهذه الأوضاع ‘المقرفة’؟ لو كانت هذه الأطراف لها من العقلانية لتجمّعت في حوار وطني وطرحت مشاكل البلاد الحقيقية كالبطالة والأمن الغذائي وغيره”. ويرهن جلول، الذي شغل منصب وزير تربية في وقت سابق، نهاية الأزمة الراهنة التي تشهدها بلاده بوضع حد لنظام الحكم القائم قائلا “الكل متفق على أن النظام السياسي كارثي.. لكنهم لا يريدون تغييره”.

ونظام الحكم في تونس، وهو شبه برلماني، بات في مرمى الانتقادات مع تأزم المشهد السياسي حيث توالت المطالبات بتغييره لوقف تشتت الصلاحيات بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والبرلمان.

وتأتي هذه التطورات في وقت دفعت فيه ضغوط حركة النهضة وحلفاؤها على رئيس الحكومة بسبب تورطه في شبهات الفساد إلى استقالة الفخفاخ وهو ما يطرح تساؤلات بشأن جدية المنظومة الحالية سواء الممثلة في الحكم أو في المعارضة في حربها على الفساد.

واليوم باتت هناك شبه قناعة راسخة لدى التونسيين مفادها أن هذه الطبقة السياسية تستنجد بالفساد للتنفيس عن أزماتها حيث أصبحت الأحزاب تبني حملاتها الانتخابية على مكافحة الفاسدين، لكن بعد وصولها إلى الحكم يتغير الخطاب وتتأقلم هذه الأطراف مع الواقع.

وبصرف النظر عن ملف الفخفاخ، الذي سيبتّ فيه القضاء، فإن تونس لا تزال تتقهقر في مجال مكافحة الفساد ما يؤكد أن البلاد رهينة لوبيات تتحكم في المشهد من وراء الستار مستغلة نفوذها التي لم يقدر كل من حكموا من 2011 على تحجيمه.

ففي تقريرها السنوي للعام 2019، أوضحت منظمة الشفافية الدولية أن تونس تراجعت إلى المرتبة 74 من 180 دولة في مؤشر مكافحة الفساد. الانتقادات للتعاطي الرسمي في تونس مع الظاهرة لم تقتصر على المنظمات الدولية حيث أوضحت هيئة مكافحة الفساد على لسان رئيسها شوقي الطبيب أن البلاد تخسر سنويا ما لا يقل عن 3 مليارات دولار جراء الفساد.

وفي الأثناء، تتفاقم أزمة المديونية في تونس حيث بلغت ديون البلاد الخارجية 92 مليار دينار حسب رئيس الوزراء المستقيل إلياس الفخفاخ وهو ما يعزز المخاوف من انزلاق البلاد نحو الإفلاس خاصة مع تزايد الاحتجاجات وحالة اليأس من الطبقة السياسية.

وفي تعليقها على ذلك تقول نسرين العماري “نحن ككتلة نتحرك على أكثر من صعيد من أجل تحسين ظروف عيش التونسيين.. قدمنا مشاريع قوانين ودافعنا على مشاريع أخرى على غرار مشروع قانون الاقتصاد التضامني والاجتماعي والذي من المقرر أن يشغل 600 ألف عاطل، لكن هذه الملفات لا يجب أن تنسينا وجود أطراف تسعى لتخريب تونس من الداخل”.

6