أحزاب مصر بعد الثورة كثرة عددية وفاعلية ضعيفة

الأحد 2014/12/28

الأحزاب في الديمقراطيات العالمية ترمومتر قياس تطور الحياة السياسية، وتزيد المعارضة القوية من فرص التنافسية، وطرح برامج بديلة للمشكلات وإتاحة فرص التبادل السلمي للسلطة، لذلك فإن الانتخابات البرلمانية التي سوف تشهدها مصر في مارس المقبل، تضع الأحزاب السياسية في اختبار حقيقي لقياس شعبيتها، وتواجدها الحقيقي على أرض الواقع.

أيام قليلة وسيتم الإعلان عن جدول زمني لمواعيد فتح باب الترشح لعضوية مجلس النواب ومواعيد الاقتراع، والبدء في تنفيذ المرحلة الثالثة والأخيرة من خارطة المستقبل.

على الرغم من ارتباط الأحزاب في مصر، بنشأة الدولة الحديثة وتطورها، وجذورها الضاربة في عمق الحياة السياسية، فإن ارتفاع عدد الأحزاب عقب ثورة 25 يناير(نحو 95 حزبا)، لم يعكس أثرا في الشارع السياسي يناسب عددها وتنوع مسميّاتها، حيث لا تزال عاجزة عن التواصل مع الجماهير بالقدر الذي يمكنها من تحقيق إنجازات انتخابية.

مهما كانت الشماعات التي تعلّق عليها الأحزاب ضعف تأثيرها في الشارع، فإن الخبراء يجمعون على أن القوى السياسية فوتت فرصة تاريخية امتازت بالحراك وارتفاع الوعي السياسي الشعبي لخلق قواعد حزبية حقيقية في مصر، واقتصرت الاستفادة على خلق كيانات حزبية ضعيفة العضوية تنحصر في بضع مقرات وصحف على الأغلب، وتصريح وهيئة قيادية لكل حزب.

خبراء في توثيق التاريخ الحزبي، أكدوا أن الحياة الحزبية في أرض الكنانة، مرت بخمس مراحل، الأولى يمكن تسميتها بـ”المرحلة التكوينية”، وهي تلك المرحلة السابقة على ثورة 1919، فكان لتأسيس مجلس شورى النواب عام 1866، بالغ الأثر في إثراء الحياة السياسية، رغم كونه كيانا استشاريا وقتها.

من سخرية القدر أن يكون اسم “الحزب الوطني”، قاسما مشتركا في مراحل عدة من تطور الحياة الحزبية، لكن مع اختلاف في الجوهر والمضمون والأداء والمؤسسين في كل مرحلة، حيث أشار مؤرخون إلى أن أول حزب نشأ في مصر هو الحزب الوطني الذي أسسه العُرابيون 1879 - المؤمنون بفكر الزعيم أحمد عرابي وثورته - وهناك من يرى أنه لم يكن حزبا بل مجرّد تكتل جمهوري يفتقد للتنظيم والتواصل مع الجماهير، إلى جانب أنه لم يكن يسعى للوصول للسلطة، باعتبار أن هدف الوصول للسلطة أحد أهم تعريفات الحزب، واقتصر دوره على مواجهة النفوذ الأجنبي، فانتهى باحتلال بريطانيا لمصر عام 1882.

المرحلة الثانية في الحياة الحزبية المصرية وصفت بـ”مرحلة التعددية الحزبية”، في الفترة من 1919 وحتى 1952.

شهدت هذه المرحلة احتراما للحقوق السياسية والحريات، في إطار دستور 1923، تنوعت الأحزاب بين ليبرالية، في مقدمتها حزب الوفد صاحب الأغلبية الذي شكل أكثر من حكومة، حلها الملك لصدامها مع القصر والإنكليز، وأخرى اشتراكية وثالثة سمّيت بأحزاب السرايا لعملها لحساب الملك، ورابعة نسائية وخامسة ذات مرجعيات دينية.

مرحلة التنظيم الواحد هي وصف للمرحلة الثالثة، وشهدت تلك المرحلة من تاريخ مصر السياسي حل الأحزاب عام 1952، وتأسيس تنظيم “هيئة التحرير” في يناير 1953، وتم إلغاؤها، وتأسس بدلا منها تنظيم “الاتحاد القومي” في عام 1956، ثم “الاتحاد الاشتراكي العربي” عام 1964 كتنظيم سياسي شعبي جديد يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة، بدلا من الاتحاد القومـي، وجميعها تمثل حكم التنظيم الواحد التابع للرئيس.

وفقا للمؤرخين، جاءت المرحلة الرابعة تمثل “التعددية المقيدة” وحظيت بوجود أحزاب، يمين ويسار ووسط، بقرار من الرئيس الراحل أنور السادات في مارس 1976، لتستمر حتى 25 يناير 2011، فرغم التشريعات المنظمة لتأسيس الأحزاب والتي ضبطها القانون 40 لسنة 1970، فإن تعديلاته المتوالية مع قدوم نظام مبارك، ظلت تمنح لجنة شؤون الأحزاب التي يسيطر عليها الحزب الوطني الحاكم، حق رفض الأحزاب وقبول التصريح لها بالعمل، وهي اللجنة التي كان يرأسها رئيس مجلس الشورى، وأمين عام الحزب الحاكم، ووزير الداخلية، وعدد من رموز النظام، فكان من سخرية القدر أن يمنح حزب حاكم نفسه صلاحية اختيار، ومنح الشرعية لآخرين يسعون لمنافسته على الحكم.

مع حل الحزب الوطني بسقوط نظام حسني مبارك ونشأة مرحلة التعددية الحزبية “الحقيقية” إثر ثورة 25 يناير، تزايدت أعداد الأحزاب، وتمّ شن تشريع قانوني بمقتضاه تم تشكيل لجنة شؤون الأحزاب من قضاة، تنظر في مدى انطباق الشروط على الحزب، وإذا اعترضت عليه اللجنة في مدى زمني محدد، يعد ذلك إقرارا بشرعية ممارسته للعمل، وعند الاعتراض تفصل المحكمة بين اللجنة ومؤسسي الحزب.

4