أحزان السينما الجزائرية تتواصل برحيل المخرج عمار العسكري

فجعت السينما الجزائرية مؤخرا، في قامة من قاماتها التي رحلت عن العالم وعن الفن السابع، تاركة خلفها فراغا سينضاف إلى فراغات أخرى، تركها فنانون ومثقفون كبار، من طينة آسيا جبار، فتيحة بربار وسيد علي كويرات، وغيرهم، الذين التحق بهم صباح الجمعة غرة مايو الجاري رفيقهم وزميلهم المخرج السينمائي عمار العسكري.
الثلاثاء 2015/05/05
الراحل فضل العيش على الهامش بدل الانخراط في لعبة الرداءة

لفظ المخرج السينمائي الجزائري عمار العسكري أنفاسه الأخيرة في مستشفى “الكادحين” مصطفى باشا بالعاصمة الجزائر، ولم يُسفّر إلى المشافي الفرنسية والأوروبية كما يسافر إليه علية الدولة ورموزها، لأنه لم ينخرط في لعبة قد ناضل من أجل محاربتها، واختار العيش على الهامش من أجل أن يبقى نظيفا ووفيا لمبادئه.

وبرحيل العسكري ذبلت “زهرة اللوتس” للأبد، ووصلت الدورية إلى نهايتها، وإن لم يتأكد رواد السينما من نجاح مهمة الزهرة والدورية، فإن التاريخ سيدون للأجيال، القدسية التي أولاها الراحل لقيمتي الحرية والحب في حياة الإنسان.

رحل عمار العسكري وفي حلقه غصة، وفي قلبه حرقة من الإقصاء والتهميش الذي طاله في أواخر العمر، فمنذ مغادرته لدواليب المؤسسات السينمائية في تسعينات القرن الماضي، لما كانت البلاد تقطر بدماء العشرية الحمراء وتستغيث فقرا جراء الأزمة الاقتصادية الخانقة.

لم تشأ الهيئات الجديدة أن تفيد الأجيال الشابة برصيد أحد صناع مجد السينما الجزائرية، ولا منحه الفرصة للاستفادة من البذخ الذي تتكرم به يمينا وشمالا على الرداءة، فكانت “زهرة اللوتس” آخر الروائع التي أثرى بها العسكري خزائن السينما الجزائرية في 1999.

المخرج عمار العسكري بعدة جوائز في عدد من المهرجانات والمحافل السينمائية كقرطاج وفاسباكو بواغادوغو

والذين يعرفون الرجل أو كانوا ينفردون به في إقامة حي الموز بالعاصمة رفقة أصدقائه الآخرين، يدركون حجم المرارة التي كان يتجرعها الرجل في حلقه بصعوبة، فصاحب الرائعة الثورية “دورية نحو الشرق”، انتهى به المطاف مهمشا ومنعزلا، وأجبر على التقاعد القسري وهو في عز العطاء، وظل طاقة معطلة طيلة 15 عاما حتى وافاه الأجل.

وترك المخرج الراحل سجلا هاما من الأعمال المتميزة مثل “دورية نحو الشرق” الذي أنجزه عام 1974، و”المفيد” في 1979، و”أبواب الصمت” في 1989. و كان آخر أعماله فيلم “زهرة اللوتس” في 1999، وهو فيلم مشترك جزائري فيتنامي، يروي حكاية حب بين شاب جزائري وفتاة فيتنامية، جمعتهما الحرب ضد الاستعمار، وانتهت بهما زوجين يكرسان نبل وإنسانية قيمة الحرية في الجمع بين الشعوب، إلى جانب عدة أفلام قصيرة.

وتوج المخرج عمار العسكري بعدة جوائز في عدد من المهرجانات والمحافل السينمائية كقرطاج وفاسباكو بواغادوغو. ويعدّ الفقيد واحدا من الذين رفعوا السلاح ضد المستعمر، حيث التحق بصفوف الثورة التحريرية بعد إضراب الطلبة الجزائرية، وكان مجاهدا في الولاية التاريخية الثانية.

وعرف إلى جانب عمله الفني بنشاطه النقابي، إذ كان أمينا عاما لنقابة السينمائيين والتقنيين للاتحاد العام للعمال الجزائريين، كما كان آخر مدير للمركز الجزائري للصناعة السينماتوغرافية (كاييك) في التسعينات قبل أن يحلّ.

نادية لعبيدي: الجزائر فقدت مناضلا بالسلاح أيام حرب التحرير، وبالكاميرا بعد الاستقلال

ويعتبر العسكري الذي ولد في 22 يناير 1942 بمدينة عين الباردة بعنابة (600 كلم شرقي العاصمة)، واحدا من الجيل السينمائي الجزائري الأول، الذي وظف الفن السابع لخدمة القضية الوطنية ومناهضة الاستعمار، وأنجز عدة روائع قدمت بالصورة والصوت نضال الجزائريين من أجل الحرية.

ويجمع رفاق الراحل على الخصال الإنسانية التي تطبع شخصيته، وعلى عبقرية المخرج في المجال السينمائي، وبدا المخرج أحمد رشدي متأثرا جدا بفقدان رفيقه وصديقه، الذي وصفه بـ”الفنان الكبير” وبـ”معلم السينما الجزائرية” و”الرجل الاستثنائي”.

وأكد عميد الممثلين الجزائريين طه لعميري، أنه كان “مناضلا كبيرا من أجل القضية الوطنية، وسينمائيا كبيرا في خدمة الثقافة الجزائرية من خلال أفلامه”. وأعرب عمار ربيع الذي تحدث باسم جمعية “أضواء” التي كان يرأسها الفقيد عن أسفه وحزنه لرحيل من وصفه بـ”رجل مبادئ وسينمائي كبير ذي مهارات عدة”.

وقال المخرج غوتي بن ددوش “عمار فنان كامل ذو حساسية كبيرة كان يحب تشجيع الشباب”، وأشار الممثل والمخرج مصطفى عياد إلى أن “عمار العسكري كان مناضلا كبيرا من أجل القضية الوطنية والثقافة الجزائرية”، في حين تأسف المخرج حاج رحيم لفقدان “صديق ورجل محب للجزائر يتميز بقيم إنسانية استثنائية”.

أما وزيرة الثقافة والمخرجة نادية لعبيدي، فقد أشادت في برقية التعزية، بمسار الفقيد معتبرة أن الجزائر “فقدت شخصية ثقافية وفنية هامة”. وأشادت لعبيدي بمن وصفته بـ”ابن الجزائر البار، وبنضال الفقيد سواء ضمن الكفاح المسلح من خلال انضمامه في صفوف اتحاد الطلبة الجزائريين، أو من خلال إبداعه كفنان ملتزم بعد الاستقلال”.

16