أحزان.. بالشمع الأحمر

الاثنين 2014/01/27

انشغلت وسائل الإعلام البريطانية الأسبوع الماضي، بتتبع خيوط جريمة قتل راح ضحيتها طفل صغير لم يتجاوز السنة الثالثة من عمره. قامت الدنيا ولم تقعد؛ منذ لحظة التبليغ عن اختفاء الطفل من سريره في المساء.. انطلق المئات من رجال الشرطة والمتطوعين من السكان المحليين للبحث عنه في المناطق المجاورة لمنزله من دون جدوى، وامتد البحث إلى أبعد نقطة ممكنة حتى الوصول إلى الحقول البعيدة وبلوغ الشريط الساحلي المتاخم لأدنبرة؛ العاصمة الاسكتلندية التي شهدت الواقعة.

وكنت ألاحق بدوري تدفق وتضارب الأخبار في الصحف والتلفزيون، يدفعني إلى ذلك فضول اكتشاف اللغز الذي حير الشرطة أياما عدة؛ فصرت أتخيل الوقائع وأرتب الاحتمالات في ذهني، وتطوعت (معنوياً) للإجابة عن السؤال الصعب: أين ذهب الطفل؟ هل كان يعاني مثلاً من متلازمة “المشي أثناء النوم” والتي تصيب بعض الأطفال في سنوات طفولتهم المبكرة عادةً، كرد فعل احترازي جراء معاناة نفسية يكتمونها نهاراً ويطلقونها ليلاً؟ هل كانت الأم عرضة لفقدان ذاكرة مؤقت فأخبرت الشرطة بمعلومات خاطئة وأن الطفل لم يكن في الواقع ينعم بدفء سريره ليلاً، بل ذهب صحبة والده الأعزب في رحلة ترفيهية في ظروف شتائية غير مناسبة؟ احتمال آخر، رجح تواجد أحد اللصوص المبتدئين ضيفاً غير كريم في منزل الأسرة في ذلك المساء وحين لم يجد ما يسرقه، قرر الانتقام من أهل المنزل بسرقة فلذة كبدهم ليبيعه بعد ذلك لرجال عصابة متخصصين في تجارة الرقيق، ومع ذلك فإن اللص العطوف لم ينس في خضم ذلك أن يدفئ الطفل المخطوف بمعطفه وحذائه وقفازيه قبل مغادرة المنزل، في مقاربة مع ادعاءات الأم بأن متعلقات الطفل لم تكن في مكانها المعهود بالقرب من مدخل المنزل ساعة اختفائه.

الاحتمال الوحيد الذي استبعدته، بسبب مرض نفسي لازمني كظلي طوال سنوات اسمه “السذاجة”، هو أن يكون للأم ضلع ما في الجريمة. وكان عقلي الباطن يقول “نعم.. نعم”، أما مجسات الوعي فكانت تسيطر على الموقف العام بثقة أكبر وهي تردد: “لا.. لا.. غير معقول”.

كالعادة، تفوقت الحقيقة على الخيال الساذج ووجد رجال الشرطة جثمان الصغير بالقرب من منزل خالته، بعيداً عن محل سكناه الذي كان مركز انطلاق أهل الخير من المتطوعين. ومباشرة، تجمعت الشكوك حول شخص الأم كما يتجمع الذباب حول قطعة حلوى فاسدة.

أما جموع الخيرين الذين تركوا أعمالهم ومشاغلهم الشخصية أياما وليالي للبحث عن الطفل المفقود، فقد رجعوا إلى بيوتهم مكسوري الفؤاد ليحضروا ورودا ودمى وشموعا يضعونها على أطلال الأرض المتاخمة لمنزل الطفل الفقيد.. بعضهم تأزم نفسياً لهول ما سمع من أخبار وبعضهم الآخر وجد العزاء في تبادل المعلومات وكلمات الرثاء الرقيقة مع أفراد الشرطة، ولكن أكثر ما آلمني (شخصياً) هو الطفل البريء الذي ألقي جثة هامدة في العراء وملامح وجهه الرقيقة “أظنها كانت رقيقة”، التي لامست الأرض الباردة وأوصاله التي مزقتها برودة الشتاء القارس والدهشة التي غمرت كيانه البريء لحظة ارتكاب الجريمة.

على بعد آلاف الأميال، المشهد يبدو أكثر تعقيداً، فهناك جحيم آخر ما زال مشتعلاً يشرب فيه الأطفال الأبرياء من كأس الموت يومياً ومراراً حتى يثملوا. في العراق وسوريا، عشرات الأطفال يذهبون يومياً ضحية صراعات مقيتة لا ناقة لهم فيها ولا جمل.. فيذبحون وتقطع أوصالهم ويعذبون بأيدي برابرة الزمن الأغبر.. ولا يجدون وروداً أو شموعاً تشيعهم إلى مثواهم الأخير. ومثلهم وأكثر منهم، أولئك الذين سحقوا غدراً بأيدي جلادي الحكومات المتعاقبة في العراق، كما سحقوا في ذاكرتي المتعبة التي أهالت التراب على ملامحهم وأوصدت على ذكراهم باباً أسود مقفلا بالشمع الأحمر.

أنانيتي هذه المرة، وليست سذاجتي، من اختارت الحزن الشفيف على طفل بريء لا تعرفه ذاكرتي.. بدلاً من العبث غير المجدي في دهاليز مظلمة، وتخطي الحدود للوصول إلى مسافات أبعد ومحاولة العبث بخيوط الأسئلة الصعبة التي تقول: “بأي ذنب قُتل ويقتل هؤلاء الصغار؟ ولماذا صرنا نحترف التخفي وراء أقنعة النسيان ونتظاهر بالعمى في مواجهة مشاهد الدم، التي صارت تلون جزءاً عزيزاً من خارطة العالم باللون الأحمر القاني؟

لماذا نبحث عن ملامح لوجوه لا نعرفها فنواسيها، وننسى وجوها نعرفها بعد أن فقدت ملامحها فاندثرت ذكراها؟

21