أحزمة الصفيح تطوّق المدن الجزائرية

تحوّلت أحياء الصفيح في الجزائر، بمرور السنين، إلى أوكار لمختلف مظاهر الانحراف الاجتماعي، بعد أن أضحت تضمّ مجتمعات موازية تدفع ساكنيها إلى الانتقام لأنفسهم من تهميشهم المستمر وإقصائهم من البرامج الحكومية للتنمية والخدمات المختلفة، ففي أزقتها الضيّقة وفي ظلال صفيحها الجارح، نمت مختلف أشكال الجريمة وأفكار التطرّف، في مشهد صارخ يعكس الواقع المتردّي لمستنقعات الصفيح.
الثلاثاء 2015/05/19
أحياء القصدير، المجاورة للمدن الجزائرية، أضحت بمثابة مجتمعات موازية لتفريخ الجريمة والتطرف

عرفت أحياء الصفيح في الجزائر، وخاصة حول مدنها الكبرى، نموّا متسارعا خلال ما يسمى بالعشرية الحمراء، ويعود ذلك إلى موجة النزوح الداخلي هربا من بطش الجماعات الإرهابية التي لا تميّز بين مدني وعسكري، حيث خلت عشرات القرى والأرياف من سكانها، نحو المناطق الآمنة على حواف المدن الجزائرية، وبسبب انتهازية البعض الذين حوّلوا أحزمة الصفيح إلى تجارة مربحة، بما أنّ أهلها مؤهلون للحصول على سكن مجاني.

ويقول مختصون إن جذور أحزمة الصفيح التي صارت تطوّق مدن البلاد، تعود إلى سنوات الأزمة الاقتصادية التي عاشتها الجزائر في ثمانينات القرن الماضي، حيث ساهمت الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية والتنموية، في نزوح عائلات الأرياف والمناطق المعزولة نحو المدن، من أجل كسب القوت اليومي وتقريب أطفالها من المؤسسات التعليمية وخدمات الرعاية الصحية.

وقد تفطنت الحكومة الجزائرية متأخّرة لمعضلة مستنقعات الصفيح التي تطوّق مدن البلاد، بعدما تحوّلت إلى تحديات اجتماعية وأمنية كبيرة، ورصدت محافظة العاصمة لوحدها 20 ألف سكن عمومي مجاني لإيواء عائلات الأحياء القصديرية في أحياء حضرية تتوفر على الخدمات التعليمية والصحية ومقوّمات الحياة العصرية، لأجل إدماج سكانها في الحياة العادية.

في هذا السياق، صرّح وزير السكن والعمران والمدينة عبدالمجيد تبون، بأنه سيتم القضاء على أغلبية الأحياء القصديرية، لا سيما تلك الموجودة في المدن الكبرى مع نهاية العام الجاري، مشيرا إلى أن الحيين أو الثلاثة أحياء التي ما زالت موجودة بالعاصمة الجزائريّة سيتم القضاء عليها في غضون شهر يوليو القادم، ومؤكدا بأن ذلك يعد “التزاما من الحكومة ونحن بصدد تجسيده تدريجيا”. الجدير بالذكر أنّ الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان كانت قد كشفت، أمس الأوّل، أن “10 ملايين جزائري يعيشون في فقر مدقع ويحرمون من حقوق الإنسان الأساسية”.

الكثافة السكانية دفعت عائلات إلى الإقامة في الأقبية والسطوح، والمخططات الحكومية للسكن عاجزة عن مواجهة تراكمات الأزمة

وارتفع عدد سكان الجزائر بداية العام الجاري إلى 39.5 مليون نسمة، حسب الديوان الحكومي للإحصاء. وأحصت رابطة حقوق الإنسان، غير الحكوميّة، أكثر من مليون و628 عائلة معوزة في العام 2014.

وفي ظل غياب إحصائيات رسمية للحكومة حول هذه الأحياء أو التعداد البشري الذي يقطنها، فإنّ المدن الجزائرية بمختلف أحجامها لا تزال تئن تحت مشاهد الصفيح المحيطة بها، وحتى في أرقى الأحياء بالعاصمة كحيدرة وبئر مراد رايس، حيث تقابل هيئات إدارية ومقار وزارات وسفارات.

ومع رصد الحكومة لعشرات الآلاف من الشقق لتلك العائلات، تحوّلت مواعيد الترحيل إلى مصدر “صداع” حقيقي للسلطات المحلية، بسبب الاحتجاجات العنيفة الناجمة عن إجحاف الإدارة في ضبط قوائم المستفيدين في كلّ مرة، وتدخل الممارسات البيروقراطية والمحاباة في ظل الطابع المجاني للمساكن الممنوحة، وهو ما يثبط جهود القضاء على أحياء الصفيح، خاصة مع تراكم الطلبات لعقود كاملة مقابل الاختلال المسجل بين الطلب المطروح والعرض المتاح.

ورغم الاستثمارات الضخمة المرصودة لمحاربة أزمة السكن في البلاد، حيث خصّصت 20 مليار دولار لبناء مليوني وحدة سكنية خلال العشر سنوات الأخيرة، فإن تراكمات الثمانينات والعشرية الحمراء، حوّلت الأزمة إلى تحدّ كبير للحكومات المتعاقبة، التي استعانت بشركات آسيوية وأوروبية لتنفيذ عدد من المشاريع السكنيّة، إلا أنه لا تزال هذه الوتيرة غير كافية، مع الصيغ المتنوعة المطروحة للحصول على سكن لمختلف الفئات الاجتماعية.

ويقول خبراء إنه من عوامل تعميق أزمة السكن في الجزائر “اعتمادها إلى وقت قريب على صيغة السكن العمومي المجاني، الأمر الذي ولّد حالة اتّكال كلي على دور الدولة، وحوّلها إلى بؤرة للفساد البيروقراطي والمحاباة والانتهازية، وأنه كان الأجدر تخصيص السكن المجاني للفئات المعوزة فقط”.

10 ملايين جزائري يعيشون فقرا مدقعا ويحرمون من الحقوق الأساسية

ويضيف هؤلاء أنّ “أزمة السكن في الجزائر أفضت إلى اختلالات اجتماعية كبيرة، تتجلى في تنامي مظاهر العنف والجريمة واعتناق مختلف أفكار التطرف الديني، فالمعاناة القاسية في المسكن والشعور بالتهميش والإقصاء، حول بؤر الفقر والتخلف إلى مستنقعات حقيقية للجريمة والإرهاب، بدليل صعوبة اندماج هؤلاء في الحياة العادية في الأحياء الجديدة التي يرحلون إليها، فكثيرا ما نشبت أعمال عنف جماعي بين سكّان الأحياء والعمارات بسبب الخلفية الاجتماعية والثقافية التي قدموا منها”.

وزيادة على أحياء الصفيح المنتشرة في حواف المدن، فإنّه توجد محتشدات يعود تاريخها إلى الاستعمار الفرنسي كان يستعملها لتربية الخنازير، فضلا عن محتشدات أخرى شيّدها الفرنسيّون لحشر الجزائريين من أجل قطع صلتهم بثورة التحرير.

وكلاهما لا يزال يستعمل إلى حد الآن مساكن لعائلات جزائرية تكاد تنفجر بداخلها أمام التكاثر الديمغرافي الذي دفع بعضهم للإقامة في الأقبية والسطوح. وهو ما جعل هذه المحتشدات تجتمع في عدة قواسم مشتركة مع سكان أحياء الصفيح، وتشكل عبئا إضافيا للأزمة الخانقة.

وتبقى مخطّطات الحكومة عاجزة، إلى حد الآن، عن احتواء أزمة أحياء الصفيح وسكان الأقبية والسطوح في مختلف مدن البلاد، أمام الاختلال المسجّل في التكفل بأزمتهم التي تحوّلت إلى مصدر تمرّد اجتماعي، يدفع بالأجيال التي ولدت وترعرعت فيها إلى قنابل موقوتة مرشحة للانفجار في أي لحظة، ويمكن تعبئتها في أي مخططات متطرفة أو انحراف اجتماعي، لا سيما أن البطالة والفراغ ما زالا مرادفين للشباب الجزائري.

يقول كمال وردي من حي الكروش بمدينة الرغاية، البعيدة 30 كلم شرقي العاصمة، “لقد سئمنا الوعود الكاذبة التي لم تتحقق بعد، لقد هرمنا ولم نرحل، أنا ولدت هنا وكبرت هنا وأخشى ما أخشاه أن أموت هنا”.

من جهتها قالت نورة سماطي، 60 عاما، “كبرت في هذا المكان وكوّنت فيه أسرة وسط معاناة كبيرة، وأتمنى في كل يوم الاستفادة من مسكن لائق، يضمن لي العيش الكريم حتى ولو لأيام معدودات قبل وفاتي”.

20