أحشاء الحيوانات وجبة الفقراء تنتقل إلى أطباق الأغنياء في ألمانيا

الجمعة 2018/10/05
فن الوجبة المفاجأة

برلين - “ينبغي على المبتدئين أن يبدأوا بالقلب”.. كانت هذه وصية شيف يقضي الكثير من الوقت يقطع ويطبخ الأحشاء الداخلية للأبقار والخراف وغيرها من الحيوانات بطرق مختلفة ويزيّنها بطريقة تفتح الشهية. إنه كريستوف هاوزر، الذي يعمل رئيس طهاة في مطعم “هيرتس آند نير” في برلين.

ويقول هاوزر “قلوب الحيوانات عبارة عن عضلات صافية، ولا تزال تماثل مذاق الحيوان الذي استُخرجت منه،  وتماسكها ومذاقها لا يذكّران الشخص بالأحشاء”.

وفي مطعم هيرتس آند نير، أي مطعم القلب والكلى، لن يجد الزبائن مجرد شريحة لحم واحدة أو شرائح من صدور الدجاج في القائمة، بل هناك وجبات مختلفة تتكون من الأحشاء. ويضيف هاوزر “تتسم الكلى بنكهة قوية وفريدة من نوعها، وينطبق الشيء نفسه على ضروع الخراف، حيث أنها تتّسم بمذاق الحليب بدرجة هائلة، ليس كل زبائن المطعم يفضلون الوجبات المكونة من الأحشاء”.

وأصبحت وجبات الأحشاء الداخلية للحيوانات شائعة في ألمانيا، ليس فقط لأنها توفر قدرا من التشويق للطهاة المتميّزين الذين يتطلعون إلى تجربة مكونات جديدة، بل الأمر يتعلق بتغيير عادات الأكل عند الناس الذين يبحثون عن تجربة طعام ووجبات أخرى”.

وفي الماضي، كان تناول الأحشاء يرتبط بالمجتمعات الأكثر فقرا، ويتذكّر جيرو ينش من جمعية الجزارين الألمان، كيف كانت أحشاء الحيوانات شائعة في الأيام العجاف بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كان يعيش العالم أزمة اقتصادية وحروبا طاحنة.

واعتبرت تلك الأحشاء غذاء للفقراء، لكن عندما أصبحت الأجيال الأكبر سنا أفضل حالا وتحسنت حالتها المادية، سرعان ما اختفت أحشاء الحيوانات من نظامها الغذائي وحلت محلها وجبات من شرائح اللحم، واللحم البقري المشوي كعلامة على الرخاء والرفاهية.

وفي السنوات الأخيرة بدأ الرواد في مطعم هيرتس آند نير ينقسمون إلى مجموعتين، إحداهما تحب المغامرة والأخرى يجذبها الحنين إلى الماضي.

إضفاء لمسات حديثة على طهي الأحشاء
إضفاء لمسات حديثة على طهي الأحشاء 

والمجموعة الأخيرة مكونة من كبار السن الذين يعاملون المطعم كنوع من آلة الزمن، وهم يقصدون المطعم وتدفعهم فكرة معيّنة وشوق إلى مذاق معين، ربما مثل الأمعاء التي كانت تعتاد الجدة على طهيها، أو ربما سلطة لسان البقر التي يقدمها هاوزر بشكل جيد ولذيذ، فيما أصبح البعض يتقزز من رؤيتها ربما لأنها تذكره بأيام البؤس والفقر.

ومع افتتاح مطعم هيرتس آند نير بدأ البعض من كبار السن يرتاده ربما بشيء من الحنين إلى الماضي أو لوعيه بقيمتها الغذائية، لكن فئة من الشباب الذين لم يعاصروا الحرب العالمية الثانية يرتادونه بحثا عن مغامرة مع طعام لم يعتادوه.  وبالنسبة إليهم، قائمة الطعام التي يقدمها المطعم مفاجئة لهم، خاصة وأن النادل والطهاة لا يخبرون زبائنهم بما سيأتي من المطبخ.

ويقول هاوزر، “نحاول أن نضفي لمسة حديثة على طهي الأحشاء وتقديم ذلك بطريقة فاتحة للشهية تجذب رواد المطعم”.

وتعتبر سيلفيا من أقدم زبائن المطعم، حيث تجلس على الطاولة متشككة ومتحمسّة في نفس الوقت، وهي تنتظر أن يأتي طبقها الرئيسي من قائمة الطعام المفاجئة،  وتقول “كنت طفلة في المرة الأخيرة التي تناولت فيها الأحشاء”.

ويقدم النادل الطبق إلى سيلفيا ويشرح لها مكوناته، وهي تتفحّص الطبق المكون من القلب والكلى، تماما كما كانت تتوقع وتبهرها طريقة تزيين الطبق الذي يفتح الشهية.

ومع أول قضمة من “قلب الخنزير الوردي وكلى الخنزير المطبوخة ببطء مع الجزر، ومعجون الجزر واللفت والبصل الأحمر” أومَأت برأسها إعجابا، وفي القضمة الثانية تبدأ المضغ ببطء، وهي تردد “هذا مثير للاهتمام حقا.. إنه مذاق لذيذ.. يمكنني بالتأكيد الاعتياد على ذلك”.

ويعلق أونميسيغ، “نعقد آمالا كبيرة على الطهاة الذين يقدمون الكبد والكلى واللسان والقلب كأطعمة شهية”.

وينتقل مايكل ريكرت، وهو طبيب بيطري في مجال سلامة الأغذية في ألمانيا، من مجزرة إلى أخرى، ويتحقق من صحة الحيوانات الحية قبل أن يعلن أنها مناسبة لكي يتناولها البشر.

وتمكن هاوزر مؤخرا من طهي طعام لـ250 زائرا لمطعمه في مرة واحدة ومن حيوان واحد. ويقول “لقد قمنا بفصل شرائح اللحم وقمنا بتقطيعها بشكل رقيق بحيث يحصل كل زائر على قطعة واحدة. ثم كانت هناك العديد من المكونات الداخلية للحيوان. فكانت هناك النقانق وقطع اللحم الهلامية ومرقة اللحم واليخني”.

وبهذه الطريقة، كان لدى كل الزائرين الـ250 ما يكفي من الطعام، وكلهم أكلوا من حيوان واحد فقط وشبعوا.

طريقة تزيين الطبق مهمة
طريقة تزيين الطبق مهمة

 

20