أحفاد العازف

شخوص الفنان أكرم زافي هم أيضا غرباء "عن المدينة" ومعتادون على وحدتهم، وإن غرابتهم شكلتها أغوار نفس قاست الكثير واختارت أن تنطلق في مغامرة الظهور إلى العلن.
الجمعة 2018/08/17
من لوحات زافي

لا أدري تماما، لماذا تذكرني أعمال الفنان السوري أكرم زافي، لا سيما تلك التي يُظهر فيها الملوك ومدخني الغليون ولوحة واحدة يتيمة لعازف مزمار، بالشخصية الرئيسية في أجمل الروايات الخرافية والمأساوية المُستقاة من التراث الألماني والمُسماة بـ”عازف مزمار هملن”، كذلك تذكرني بهذا العازف صور الفنان الشخصية التي يقف فيها أمام لوحاته ليكون جزءا مُكملا، أو صدى لها.

أخص بالذكر الصورة التي نشرها الفنان مؤخرا على صفحته الفيسبوكية وتظهره يدخن غليونا على هوى شخصية لوحته التي تنتصب خلفه، ربما تذكرني لوحاته بذاك العازف، لأن “ملوكه” غامضون غموضه على الرغم من ظهوره بملابس فاقعة الألوان، أو ربما لأن ملوكه لا يحتاجون دائما إلى الإشهار بتيجانهم ليعلنوا سيادتهم على فضاء لوحته كما تسيّد عازف المزمار على فرح أهل القرية وتعاستهم المُستحقة لاحقا على حد السواء.

وربما أيضا، لأن شخوص الفنان أكرم زافي هم أيضا غرباء “عن المدينة” ومعتادون على وحدتهم، وإن غرابتهم شكلتها أغوار نفس قاست الكثير واختارت أن تنطلق في مغامرة الظهور إلى العلن بعد أن استشفت أن هناك من سيتعاطف معها، إما لأنه قاسى مثلها أو لأنه استطاع أن يسبر أغوارها المتحولة دوما والثائرة على التفاهة في قالب فكاهي مؤثر.

تذكرني شخوص الفنان تلك بعازف المزمار، لأنها في لوحاته مرنة وليّنة ومُتكيفة مع تحولات الخارج دون أن تكون بهلوانية بالمعنى السلبي للكلمة، وفيها بالتأكيد الكثير من التراجيدية التي حوّلها الفنان، بسحر عازف/ فنان إلى تنويعات وجودية لن ترضخ لليأس.

أما رواية “عازف مزمار هملن” فهي باختصار شديد عن قصة مدينة تقع على ضفاف نهر غزتها مجموعات كبيرة من الجرذان جالبة معها الموت والأوبئة، لم يقو أهل المدينة على التخلص منها حتى جاء عازف مزمار من خارج المدينة يلبس ملابس المهرجين الملونة ووعدهم بتخليصهم منها تماما إذا أوفوا بوعدهم ومنحوه الجائزة المالية التي خصصوها لأي مُنقذ كان.

وعندما استطاع الغريب دفع جميع الجرذان إلى الغرق في النهر بعزفه لألحان سحرية لم يحصل على جائزته الموعودة، بل كاد أهل المدينة يسجنوه. وانتقاما منهم عاد في اليوم التالي واستحضر بعزفه السحري كل أطفال المدينة نحو جبل، حيث اختفى معهم فيه إلى الأبد.

يُقال إن القصة حقيقية وأن عازف المزمار الذي أسر أطفال المدينة بألحانه السحرية ليفرّغ المدينة منهم عاش في أواخر القرن الثالث عشر. انتبهت إلى غرابة هذه القصة عندما وجدتني أعثر على عازف مزمار من القرن الحادي والعشرين وهو العازف/ الملك الشرق أوسطي في لوحات الفنان أكرم زافي، عازف يشد ويجمع إلى لوحات الفنان أنظار من استمروا “في المدينة” أو هاجروا قسرا، ولكن ما زالوا يتمتعون بالبراءة الحاذقة والفطنة الشعرية، والشجاعة في الإفصاح عنهما.

أغلب الظن أن الفنان تمكن في العديد من تلك اللوحات أن يخرج بهؤلاء، وإن افتراضيا، من “مدينة” باتت تعجّ بأوبئة أفتك من تلك التي سببتها الجرذان في مدينة هاملن الألمانية.

أوبئة كالخيانة، والخديعة والتباهي بتيجان ليست من ذهب حقيقي كذهب التيجان التي تعتمرها شخوص أكرم زافي وكأنها قبعات عادية أو تصفيفة شعر عشوائية هي جزء لا يتجزأ من كيانها، تيجان اكتسبت لمعانها من مصداقيتها وليس من سعرها في سوق البورصة وقد تلونت بها ريشة الفنان بتلقائية لافتة.

نشر الفنان منذ فترة على صفحته الفيسبوكية هذا التمني المُباشر، لا أعرف إن كان تحقّق أم لا؟ يسأل “هل هناك أحد يدعمنا لإقامة قرية ثقافية في الحسكة.. سوريا؟”، وأرفق هذه الكلمة بلوحة ظهر فيها “ملكه” باعثا بسؤاله من خلال مزمار وباحثا بعيونه الأربع عن أي مُجيب، ملك أكثر ملكية من أي ملك، أو قائد مشغول بحاجاته الشخصية ومُتباه بالأحجار الكريمة الجميلة التي ترصّع تاجه رغما عنها.

17