أحفاد عبدالرحمن الكواكبي على طريق الحرية

الأحد 2015/10/04
لوحة: أمجد ورده

ليس ثمة ما هو أبلغ من سطور يكتبها أشخاص بوصفهم أفراداً، ينقلون لنا بالكلمات تجاربهم الشخصية ويعبّرون من خلالها عمّا يجيش في نفوسهم المفردة، وربما العزلاء، وكان في وسعهم أن يكونوا أصوات جماعات، وناطقين باسم أفكار وأيديولوجيات، محتمين بها من حيث هم معبّرون عنها. ولكنهم آثروا أن يكون وجوها وأسماء وهويات مفردة.

يحتفظ لنا التاريخ بسير المبدعين ويهمل سير من اضطهدوهم. ها هو دانتي صاحب "الكوميديا الإلهية" تملأ سيرته كتب النقد والتاريخ الفني والأدبي، ويحضر في لوحات عصور من رسامي النهضة وما بعدها، هو وحبيبته بياترس التي أقام لها صرحا في كتابه الخالد. ولكن من يتذكر أسماء الباباوات الذين نفوه من فلورنسا سنة 1302 وحكموا عليه بالإعدام لو هو خالف الحكم وعاد إلى وطنه؟ رغم آلام النفي، وتنقله بين الإمارات الإيطالية بعيدا عن فلورنسا إلا أن دانتي أبدع الكتاب الذي أدخله التاريخ خالدا على مر العصور، وجعل له في كلّ مدينة إيطالية نصبا وتمثالا ومتحفاً، بينما اندثر كل ذكر للبابوات التي اضطهدوه وجعلوه يعيش ثلث سنوات حياته ويموت في المنفى.

تفرد "العرب" صفحاتها الثقافية لهذا الأحد لملف تنشره بالاتفاق مع "الجديد" إنه ملف "ادب السجن". نصوص هي بمثابة يوميات وشهادات تشكل وثائق تاريخية وأدبية دوَّنها أدباء وشعراء ومثقفون سوريون وفلسطينيون استضافتهم سجون ومعتقلات "دولة الأبد" على مدار ثلاثة عقود ونيف من الزمن، بسبب انتماءاتهم الفكرية وتطلعاتهم الثقافية والاجتماعية. وهم كانوا وما زالوا يشكلون بنتاجاتهم الفكرية والأدبية ونشاطاتهم العامة جزءاً من ثقافة الحراك الديمقراطي العربي لأجل مجتمع مدني ودولة تعددية. وقد دفع بعضهم سنوات طويلة من حياته خلف قضبان ما سمي لعقود بـ"مملكة الصمت" و"مملكة الرعب"، وبينهم من سجن مراراً بسبب أفكاره. وهم مثقفون ينتمون إلى أجيال مختلفة، وطوائف متعددة، فبينهم الدمشقي، والحمصي، والحلبي، والإدلبي، واللاذقاني، والفراتي، وبينهم المديني والريفي، وبينهم العربي السني والإسماعيلي والدرزي والعلوي والمسيحي والكردي، والفلسطيني، الشاب والكهل والرجل والمرأة.

فالنظام الذي صادر الحياة المدنية لدرة بلاد الشام، وأنزل معارضيه، المقابر والسجون ، على رغم ما ميزه من لون طائفي فاقع، لم يكن ليقبل معارضاً لسياساته أيا كان دينه أو انتماؤه القومي، فكان يوزع قسوته وإرهابه على جميع السوريين الذين يبدون أدنى رغبة بالخروج من "حظيرة الاستبداد" طلباً لهواء الحياة الحرة.

في هذا الملف كتابات مؤثرة لـ: مفيد نجم، راتب شعبو، جورج صبرة، جابر بكر، حسيبة عبد الرحمن، عبد الرحمن مطر، حسام ملحم، سحر حويجة، صادق أبو حامد، ترسم مجتمعة لوحة واسعة تفتح زمن الصمت على زمن الصراخ، والسجن الصغير على السجن الكبير، واللون الرمادي للسجن على ألوان الحرية، على مشهد انتفاضة شعبية عارمة حطمت قيود نصف قرن من المواجهة الصامتة بين الحرية والاستبداد، وبين الرعب والكلمات

كثيراً ما جلبت الوثائق التي كتبها سجناء سابقون، الكآبة والغم على قارئها، بعض القرّاء مولع بتلك النكهة المريرة. لكن القارئ الجديد، لا يبحث عن ذلك الاستمتاع المازوشي بالألم والتعرّض إليه، بل يبحث في معرفة التفاصيل، وكيف أثّر هذا كلّه ليس فقط على وعي أولئك الضحايا، بل على الناس من حولهم، وبالتالي على مناخهم العام، والمستقبل الذي صنعوه، عبر تراثهم الفني والأدبي والفكري، حتى لم يعد يُعرف من هو السجين بالفعل، الواقف على هذا الجانب من القفص، أم الواقف على الجانب الآخر منه، وللقارئ أن يختار لذاته ما يجد نفسه تميل إليه.

كم دانتي عربي لم يكتب الكتاب الذي كتبه دانتي ولكنه نزل إلى أقبية الظلام والموت، وعاش عقودا وراء الشمس، قبل أن تسعفنا صرخات الشباب في ميادين التحرير، فتشقق جدران الزنازين وتأتينا بصوته حبيس تلك الأقبية، ليروي عن فظاعات ما أنزله الاستبداد بضحاياه، وهو إذا يروي فإنما، أولا، للبؤساء الذين تخلوا عنه ذات يوم، خوفا من الطاغية.

ربح الطغاة حاضرهم الكئيب، وفاز صاحب الكلمة ورجل الحرية بالمستقبل.

تنطبق سيرة دانتي غالباً، على فئة شجاعة من أصحاب الرأي وحملة الأقلام. وها هم ضحايا الاستبداد الشرقي من عبدالرحمن الكواكبي وحتى كوكبة كبيرة من ضحايا الرأي العرب في أزمنتنا الحاضرة.

إقرأ أيضا:

◄ حب

◄ ستون امرأة في غرفة واحدة

◄ انهمرت الخيزرانات على جسمي كالمطر

◄ حوار متأخر مع النفس بعد توديع القضبان

◄ دفتر السجن: يوميات وأوراق من الأيام الأولى للثورة

◄في الطريق إلى الحرية: صيدنايا يا لتلك الكلمة الجميلة المؤلمة

◄ هذا القبر صومعة وهذا المدفون راهب

◄ يومـيات في المعتقل: أقبية الخوف وخـسة الذئـاب

11