أحكام ثقيلة على معتقلي حراك الريف وسط آمال بتسوية لطي الملف

والد الزفزافي يأمل بعفو ملكي عن المحكومين، ومصطفى الرميد يأمل في أحكام أكثر عدالة تؤسس للمصالحة.
الخميس 2018/06/28
المحتجون أمعنوا في التخريب

محمد بن امحمد العلوي ويوسف حمادي

الرباط - أصدرت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء أحكاما وصفت بـ”القاسية” ضد معتقلي حراك الريف البالغ عددهم 54 معتقلا وسط آمال بتسوية سياسية تطوي صفحة الملف.

وحكمت المحكمة بـ20 سنة سجنا نافذا ضد قادة الحراك ناصر الزفزافي ونبيل إحمجيق وسمير إيغيد ووسيم بوستاتي، فيما تراوحت أحكام معتقلين آخرين ما بين 15 وسنتين نافذتين مع 2000 درهم غرامة مالية.

ووجهت للمحكومين تهم “المس بسلامة الدولة عن طريق دفع السكان إلى إحداث التخريب” والمساهمة في تنظيم مظاهرات بالطرق العمومية وفي عقد تجمعات عمومية دون سابق تصريح”، وإهانة رجال القوة العامة أثناء قيامهم بوظائفهم والتحريض على العصيان والتحريض علنا ضد الوحدة الترابية للمغرب.

كما اتهموا بـ”تسلّم مبالغ مالية وفوائد لتمويل نشاط ودعاية من شأنها المساس بوحدة المملكة المغربية وسيادتها وزعزعة ولاء المواطنين لها ولمؤسسات الشعب المغربي”.

وتعليقا على الأحكام قالت المحامية أسماء الوديع، عضو هيئة الدفاع عن المحكومين، إن المحكمة اعتمدت فقط على محاضر الشرطة وشهود الإثبات، لكنها غضت الطرف عن الأدلة التي قدمتها الهيئة.

وأكد دفاع الطرف المدني الذي يمثل الدولة، إصابة أكثر من 600 رجل أمن وتسجيل خسائر مادية أثناء الاحتجاجات التي هزت مدينة الحسيمة شمال المغرب ونواحيها طوال أشهر منذ حادث وفاة بائع السمك في خريف 2016 .

وشهدت منطقة الريف نهاية عام 2016 وحتى منتصف عام 2017 احتجاجات متواصلة للمطالبة بالتنمية والتشغيل تخللتها أعمال عنف للمحتجين الذين استغلوا مرونة السلطة في التعاطي مع المظاهرات. وفي مايو 2017 اعتقلت قوات الأمن القيادي في الحراك ناصر الزفزافي بعدما تهجّم على إمام مسجد أثناء إلقائه خطبة الجمعة كانت موجهة ضد الاحتجاجات.

وتفاعل العاهل المغربي الملك محمد السادس مع تلك الاحتجاجات عندما دعا إلى محاسبة المسؤولين المتورطين في عرقلة إنجاز “مشروع الحسيمة منارة المتوسط” الذي أطلقه منذ سنوات.

عدم الإعلان عن أحكام مخففة بحق المدانين في أحداث الشغب يعود أساسا إلى العنف الذي لجأوا إليه خلال تحركهم

وأرجعت أوساط عربية الأسباب التي دفعت السلطة القضائية في المغرب إلى إصدار أحكام قاسية في حق المتهمين بالوقوف وراء أحداث الشغب في الحسيمة. وأوضحت أن في مقدمة هذه الأسباب الحرص على إيصال رسالة مفادها أن المسّ باستقرار المغرب “خط أحمر”. وذكرت أن السبب الثاني المهم الذي دفع القضاء إلى عدم إعلان أحكام مخففة بحق المدانين في إحداث الشغب التي شهدها الريف المغربي بين عامي 2016 و2017، يعود إلى العنف الذي لجأ إليه هؤلاء خلال تحركهم.

وقالت هذه المصادر إنّه بدل أن يرد المدانون في الأحداث بشكل إيجابي على تفهّم السلطات المغربية للمطالب الشعبية في منطقة الريف، خصوصا في الحسيمة، لجأ هؤلاء إلى التصعيد وذهبوا إلى الاعتداء على قوات الأمن التي تلقت أوامر بعدم التصعيد مع المحتجين.

وأشارت المصادر ذاتها إلى أن سببا آخر دفع القضاء إلى التشدد في أحكامه ويتمثل في اكتشاف ارتباطات خارجية لدى عدد من المحرّضين على العنف في الريف المغربي. وكان الهدف الذي تقف وراءه الجهات الخارجية التي حرضت على العنف عبر ناصر الزفزافي ورفاق له هو جعل الاضطرابات تمتد إلى كل الريف ولا تقتصر على الحسيمة.

وعبر والد الزفزافي عن أمله بان يحظى ابنه وبقية رفاقه المحكومين بالتفاتة ملكية من لدن العاهل المغربي.

وقال أحمد الزفزافي في تصريح لـ”العرب” بعد صدور الأحكام القضائية  “للملك محمد السادس  جميع الصلاحيات الدستورية للعفو على أبنائه الشباب وإخراجهم من ضيق السجن”.

وذكّر أحمد الزفزافي بفضل النظام الملكي عليه وعلى أسرته، باعتباره أحد المستفيدين من الإقامة في دور الأحباس، التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المعروفة في مدينة الحسيمة بـ”ديار الملك”، والتي تم تفويتها لساكنيها بثمن رمزي.

وعبر رواد مواقع التواصل الاجتماعي المتعاطفين مع المحكومين عن غضبهم من الأحكام التي وصفوها بالثقيلة، فيما تضامن عدد من المحامين والحقوقيين معهم بعد صدور الأحكام، قبل أن ينخرطوا جميعا في ترديد شعارات من قبيل “عاش الريف ولا عاش من خانه”.

وتأمل أوساط حقوقية وسياسية في أن يتم التوصل إلى تسوية سياسية تطوي صفحة هذا الملف وتمهد لمصالحة شاملة تنهي التوتر الاجتماعي الذي يشهده المغرب منذ نحو سنوات.

ودعا المحامي نوفل بوعمري إلى ضرورة فتح الباب أمام صيغة سياسية ومؤسساتية مع الدولة تكون بين المحكومين والدولة مباشرة لطي الملف بشكل نهائي. وتأسّف أحمد الهايج، رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، لهذه الأحكام التي وصفها بـ”غير المقبولة وغير المتوقعة وتخالف انتظارات المغاربة”، مضيفا أن نشطاء احتجاجات الريف كانوا يرفعون مطالب أقر الجميع بأنها مشروعة وذات طبيعة اقتصادية واجتماعية ليس أكثر.

وكانت أحزاب ومنظمات وطنية دعت الشهر الماضي في رسالة وجهتها إلى رئيس الحكومة سعدالدين العثماني، إلى الإفراج عن معتقلي التحركات الاجتماعية في خطوة تهدف إلى تدشين مصالحة اجتماعية.

وفي أول تعليق رسمي على المحاكمة قال وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان مصطفى الرميد، “ستعاد مناقشتها أمام غرفة الجنايات الاستئنافية التي تتكون من خمسة قضاة تفترض فيهم الكفاءة والتجربة التي تتجاوز ما لدى زملائهم في المرحلة الابتدائية”. وأضاف في تصريحات لموقع محلي “أملي كبير في أن تصدر بشأن هذه القضية أحكام أكثر عدالة تكرس الثقة في القضاء وتؤسس لمصالحة جديدة مع سكان المنطقة”.

وبدوره عبّر حكيم بنشماش، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة (أكبر حزب معارض)، عن أسفه الشديد تجاه الأحكام التي صدرت بحق المعتقلين على خلفية احتجاجات الريف.

واعتبر بنشماش في تصريح لموقع “هسبريس” المحلي، أن الأحكام “قاسية جدا وغير متماشية مع ما راكمته بلادنا في المجال الحقوقي”.

ودعا إلى تغليب صوت الحكمة وإذكاء قيم التجاوز والصفح والعفو، مؤكدا أن يعكف الحزب على دراسة كل الإمكانات المتاحة لطي هذه الصفحة والتفرغ لاستكمال مسيرة بناء وطن يتسع لجميع أبنائه.

4