أحلامنا.. ظلال الماضي أم خيال المستقبل

الأربعاء 2014/02/26
أحلام "الرغبات" تنطوي على تحقيق الحلم لرغبة يتمناها المرء في الواقع

ينتابنا بعض الفضول فيما يتعلق بأحلامنا، بعضنا ما زال يحتفظ بشذرات من أحلامه جاهزة في مخيلته مغلفة بالخوف والترقب من أحداث صورها الحلم كالحقيقة التي لا تشبه الماضي، كما لا يمكنها أن تكون على مقاس المستقبل. فما هي إذا؟

لست وحدك، هذا ما يقرره متخصصون وباحثون قضوا ردحا من الزمن في محاولة للقبض على مغزى الأحلام: ماهيتها، وغايتها، وكيف يتم عملها في دماغ الإنسان، وما هي الممرات السرية التي تسلكها مرورا بالوعي إلى اللاوعي ذهابا وإيابا. وبالتالي، ما هي وظيفة الحلم. أليس للحلم هدف يسعى لبلوغه، أم أنه عامل البريد الذي يكتفي بإيصال الرسالة إلى مثواها الأخير، فلا يجرؤ على فض المكتوب وسبر المجهول؟

قبل عامين، قام فريق من العلماء في المختبر الحاسوبي للعلوم العصبية في كيوتو في اليابان، بمحاولة للتعرف على الصور المرئية للأحلام وذلك من خلال التوصل إلى تقنية لمسح الدماغ البشري وسبر الخفايا الوظيفية له أثناء الحلم. واستخدم الباحثون تقنية فك الشفرات العصبية في قياس طبيعة نشاط المخ أثناء النوم وبالتالي التنبؤ بالمحتوى المرئي للأحلام.

وتوصلوا إلى نتيجة تتعلق بطبيعة الصور التي نراها في الأحلام كونها مطابقة تماما لمحتوى وشكل الصور التي نراها في الحقيقة. إلا أن الدراسة لم تتوصل إلى معنى هذه الصور. ولماذا قبعت في أحلام الناس؟

أفراد الأسرة والأصدقاء هم المرشحون في المقام الأول للعب الأدوار الرئيسية في أحلامنا لأنهم هكذا بالفعل في اليقظة

لعل للأحلام منطقا خاصا بها، فهي ليست مجرد اختزال أو انعكاس لتجربة اليقظة، إذ ينتج محتوى الحلم من خلال نوع فريد من الإدراك اللاحسي. إذا لم نكن جادين في معرفة ماهيته، فإننا سنبتعد كثيرا عن فك رموز الأحلام واستنباط لمحات المستقبل القريب والبعيد من خلال ثناياها. يؤكد الدكتور باتريك ماكنمارا، اختصاصي علم الأعصاب السلوكي والأستاذ في قسم الأمراض العصبية في كلية الطب بجامعة بوسطن الأميركية، على أن معظم نظريات علم النفس التي تسعى إلى تحليل مضمون الأحلام ركزت على فرضية “الاستمرارية”، وهي تفسر محتوى أحلام الفرد، اعتمادا على خبرات وتجارب اليقظة.

فالرجال الذين يميلون إلى استخدام العنف مثلا في حياتهم اليومية في اليقظة، يميلون إلى رؤية مشاهد مشابهة تتسم بالعنف في أحلامهم وهي استمرارية وانعكاس لتجاربهم في الحياة اليومية، في حين أن أفراد الأسرة والأصدقاء هم المرشحون في المقام الأول للعب الأدوار الرئيسية في أحلامنا لأنهم هكذا بالفعل في اليقظة.

إلا أن واقع بعض الأحلام يفند بشدة هذه النظرية، حيث يعتقد الدكتور باتريك بأن معظم أجواء الأحلام تتسم بمشاهد خارقة أحيانا لقوانين الفيزياء الطبيعية، كما يميل معظم الناس إلى رؤية أشخاص غرباء عنهم في أحلام قد تغيب عن أحداثها النشاطات الفعلية للحياة اليومية مثل القراءة والكتابة ومشاهدة التلفاز وتناول الطعام وغيرها.

ووفق المنظور ذاته تخترق بعض الأحلام حواجز مكانية عدة في لحظات قصيرة لا تذكر في حساب الزمن، فتقطع بعض الأحداث في الحلم أزمنة ومسافات لا تعد شيئا يذكر في حساب الواقع العلمي، الذي يخصص للحلم دقائق وربما لحظات قصيرة مفروشة على مساحة مكانية لا تتجاوز حجم السرير الذي ننام عليه. الأهم من كل هذا، أن بعض الأحلام تحمل في طياتها نوعا من التنبيه أو التحذير غير المباشر وكأنها تريد أن تخبرنا بشيء قد يقع في المستقبل القريب أو البعيد وتحذرنا من تبعاته وهي تعاكس بذلك أحلام “الرغبات” التي تنطوي على تحقيق الحلم لرغبة يتمناها المرء في الواقع.

في هذا الإطار يرى الدكتور ماكنمارا، الذي تركزت معظم أبحاثه على ماهية الأحلام ومدى علاقتها ب “الأنا” ومرآتها التي تعكس صورا مناقضة لذواتنا، بأن الأمر لا يخلو من أهمية; إذ أن أسلافنا قد خبروا مثل هذا النوع من الأحلام وهذا ما ساعدهم في البقاء على قيد الحياة وتخطي بعض الصعوبات للتأقلم مع بيئات كانت قد فرضتها عليهم أزمنتهم. وهذه هي الأحلام التنبّؤية.

في مقاله الأخير في مجلة"علم النفس" الأميركية، أورد ديفيد بيدريك، وهو باحث ومستشار في الدراسات النفسية وممارس في علم النفس الإرشادي في جامعة مينيسوتا، بعض التفسيرات المحتملة لفك رموز الأحلام.

يميل معظم الناس إلى رؤية أشخاص غرباء عنهم في أحلام قد تغيب عن أحداثها النشاطات الفعلية للحياة اليومية مثل القراءة والكتابة

وأكد أن القدرة على استنباط الرموز التي تقبع خلف الأحداث في الحلم هو ما يهم في هذا الخصوص، فقد لا يمثل وجود شخص مقرب منك في الحلم هذا الشخص بذاته بل شيء ما قد يتعلق به كمهنته أو مواصفات مميزة في شخصيته تستدعي اهتمام الشخص الحالم.

أما ظهور صورة المارد أو الوحش أو المسخ، فلا تعني الكائن المخيف بذاته، بل هو انعكاس ربما لجزء غير محبب في شخصية الحالم التي تمثل هذا المسخ الذي يخاف منه ويتجنبه. أما ما يرتبط منها بخاصية التنبؤ، فقد تأتي الصور بصيغة رمزية غير مباشرة كقيادة أحدهم لسيارة مسرعة في طريق مظلم (وهو حلم شائع)، وهذا من شأنه أن يرسم طريق الحالم إلى المستقبل وبقدر وضوح أو استقامة هذا الطريق سيكون طريق المستقبل الذي لم يعد مجهولا.

أما السيارة المسرعة أو تلك التي يقودها شخص مجهول يجلس إلى جانب الحالم فقد تكون تنبيها وتحذيرا في شكل رسالة رمزية تدعو إلى التأني أو الرجوع في اتخاذ قرارات تخص المستقبل. كذلك ترتبط بعض الأحلام بالتحذير من أمراض معينة وتعد إشارات إنذار مباشرة بالتركيز على رؤية عضو معين في الجسد أو الإشارة المباشرة إلى اسم المرض.

كما تطرق الأحلام في بعض الأحيان زوايا غير منظورة لمشاكلنا في الحياة الواقعية ما يسهم في تقييمها بصورة أكثر عملية حين ينبع التغيير من ذواتنا وليس من قبل العالم الذي يدور حولنا.

21