أحلام أردوغان الإمبراطورية تستفز علمانية الجيش التركي

الأربعاء 2015/09/23
غضب تركي عارم بسبب سياسة أردوغان التي توظف معارك الجيش لمصالحه

أنقرة- انتقد العديد من المتظاهرين في منطقة العثمانية جنوب تركيا سياسة حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا تجاه الجيش وكيفية توظيفه في الحرب ضد الإرهاب لصالح المشروع السياسي للحزب. وقد خرجت المظاهرة إثر جنازة النقيب علي الكان الذي قتل في محافظة سيرناك جنوب شرق البلاد، في هجوم ألقيت مسؤوليته على متمردي حزب العمال الكردستاني.

ولم تتوقف موجة الانتقادات التي وجهت لحكومة أحمد داودأوغلو بخصوص المتظاهرين فقط، بل عبر الجيش التركي في أكثر من مناسبة وبأشكال مختلفة عن امتعاضه من سياسة أردوغان تجاه الجيش وموقعه في الاجتماع السياسي التركي تاريخيا.

هذا التململ في صفوف الجيش التركي يعكس، حسب مراقبين، تحركات داخل المؤسسة العسكرية التركية لها نزوع نحو التموقع السياسي داخل المشهد بشكل عام. أي أن العسكر التركي الآن وفي هذه المرحلة المضطربة نسبيا في السيرورة السياسية التركية، يبحث عن تصدير موقف سياسي من الحرب ضد حزب العمال الكردستاني والحدود مع سوريا ومسألة داعش على مستوى الخارجي، وعلى المستوى الداخلي، فإن المؤسسة العسكرية التركية مطالبة، شعبيا، بتحديد موقفها من طبيعة النظام الذي يسعى رجب طيب أردوغان لتحويله إلى نظام إسلامي، الأمر الذي يفرض على الجيش القيام بمهامه لحماية علمانية تركيا وقوميتها.

فمنذ تأسيس الجمعية التاريخية التركية لبحث التاريخ سنة 1931 على يد مؤسس تركيا العلمانية مصطفى كمال أتاتورك، تم تغيير الوجه الأيديولوجي بشكل تام لطبيعة النظام التركي خاصة بعد إعلانها جمهورية في أكتوبر سنة 1923، ويعد اليوم ذكرى فخرية للأتراك في حين أنه يسبب إشكالا بالنسبة إلى الإسلاميين.

التململ في صفوف الجيش التركي يعكس تحركات داخل المؤسسة العسكرية التركية لها نزوع نحو التموقع السياسي

وقد حرص أتاتورك منذ تأسيس تركيا الجديدة بعيد سقوط الإمبراطورية العثمانية على تغيير كل الرموز المرتبطة بالنظام الملكي، فغيّر من الثقافة والأبجدية وألغى الألقاب ووحد التعليم الوطني وألغى التعليم الديني وأعطى للمرأة حق المشاركة السياسية والتصـويت وغير العاصمة ليجعلها في أنقرة.

وتعتبر هذه التغييرات الجذرية في تركيا بداية القرن العشرين، الأسس الأولى للنظام التركي الحالي والإطار العام الذي تدور فيه الحياة السياسية، وقد أثرت هذه الإصلاحات “الثورية” على النفسية الاجتماعية للأتراك، فأصبحت القومية التركية هي الشعور السائد بين جميع المواطنين.

دور الجيش التركي في هذا المسار التاريخي كان ولا يزال حماية العلمانية التي تأسست عليها تركيا الحديثة، وقد تم صياغة بند في الدستور خاص بهذه الوظيفة للعسكر يتم ضبطها بقانون. وبالتالي فإن صورة الجيش بشكل عام في تركيا توحي بالتطابق بين الطابع العلماني للدولة التركية والشعور القومي بالانتماء إلى الإطار التركي.

ورغم العديد من الأحداث التاريخية والانقلابات العسكرية التي قام بها الجيش في تركيا منذ سنة 1960 إلى حدود “الانقلاب النظري” سنة 1997، إلا أن الجيش التركي يتمتع بقوة سياسية يوظفها في كل مرة تتحسس فيها المؤسسة العسكرية بخروج السلطة عن الطابع العلماني للدولة.
دور الجيش التركي في هذا المسار التاريخي كان ولا يزال حماية العلمانية التي تأسست عليها تركيا الحديثة، وقد تم صياغة بند في الدستور خاص بهذه الوظيفة
وبالتالي فإن المماحكات التي تحدث في الآونة الأخيرة بين الجيش والحكومة هي في الأصل تقابل بين الدور التاريخي والأيديولوجي للجيش وبين النزعة الإسلامية التي يبديها رجب طيب أردوغان في أن يقيم تعديلات دستورية في صلاحيات الرئيس لتوسيع دائرة هيمنته في مستوى الرئاسة وبالتالي المسّ من جوهر المبدأ العلماني لتركيا.

وجهة النظر هذه تتبلور بالأساس لدى القوميين الأتراك، والمعروفين تاريخيا بإتباع المسار الأتاتوركي في النظر للدولة والمجتمع. ويظهر ذلك من خلال التعبيرة السياسية القومية الممثلة في حزب الحركة القومية التركي الذي انتقد بشدة سياسة حزب العدالة والتنمية وبالأخص رجب طيب أردوغان في التعامل مع مسألة السلطة، إذ صرّح زعيم الحزب دولت بهتشلي بأنه “ليس من الممكن دخول القصر الجمهوري بـ’تشانكايا’ بقلب مفعم بالسواد والفتنة ولا يجب على شخص وصف مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك بالسكير أن يتولى إرث أتاتورك”، وذلك في إشارة إلى تصريحات أردوغان التي شتم فيها مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك.

وصرح صلاح الدين دمرداش، رئيس حزب الشعوب الديمقراطي، المقرب من الأكراد والمتحالف مع الحركة القومية التركية أن “سياسة رجب طيب أردوغان خبيثة في توخيها إستراتيجية التصادم بين الجيش والحركات العلمانية عبر استغلال الحرب على حزب العمال الكردستاني الإرهابي لتفكيك الالتقاء السياسي بين حزبه وبين التيار القومي التركي”.

ويؤكد مراقبون أن هذا التصريح يعكس فهما للأزمة التي خلقها حزب العدالة والتنمية بين الأطراف السياسية والجيش بسياسة صرف النظر عن خطر داعش وتأجيج العداء للأكراد عبر هجمات حزب العمال الكردستاني كي يكون هناك رصيد سياسي لحزب أردوغان في المناسبات الانتخابية القادمة.
12