أحلام البروليتاري المـنكسر في "الطلياني" لشكري المبخوت

جائزة البوكر العالمية للرواية العربية غدت الحدث الأدبي الأكبر الذي ينتقل من بلد عربي إلى آخر ليحط رحاله كل ربيع بإعلان الرواية العربية الفائزة بالجائزة. وقد ساهمت البوكر على امتداد ثماني دورات في دعم الرواية العربية والتعريف بكتابها وفتح آفاق جديدة أمامها وأمام قرائها. وقد كشفت أخيرا لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر"، التي يرأسها مريد البرغوثي، وتتكون من الأعضاء أيمن أحمد الدسوقي، وبروين حبيب، ونجم عبدالله كاظم، وكاورو ياماموت، عن اسم الفائز بالجائزة في حفل أقيم في أبوظبي، عشيّة افتتاح معرض أبوظبي الدولي للكتاب لعام 2015، بحضور رئيس هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة الشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان. حيث آلت الجائزة إلى رواية "الطلياني" للكاتب التونسي شكري المبخوت. الرواية كما اعتبرتها اللجنة “رحلة في عوالم الجسد والبلد، الرغبة والمؤسسة، والانتهاك والانتهازية وتناول بارع لارتباك العالم الصغير للأفراد والعالم الكبير للبلاد، في حبكة منسوجة بإحكام”.
الجمعة 2015/05/08
مبضع السرد يمكنه أن يفتح أكياس الماضي ويرسم أملا على أنقاض الخيبات

من منطلق الوعي المتأصّل في ذات الناقد ثمّ الباحث في النقد الأدبي وعلوم اللغة يتخذ شكري المبخوت من مقولة “الرواية هي أم الحقيقة الإنسانية العميقة”، مجالا خصبا لروايته الأولى الطلياني الصّادرة عن دار التنوير للطباعة والنشر 2014، جائزة البوكر العربية في نسخة 2015، كما فازت قبل أسبوع من إعلان البوكر بجائزة مهرجان "كومار الذهبي" للرواية التونسية، في دورته التاسعة عشرة.

يتبنى الكاتب التونسي شكري المبخوت في روايته “الطلياني” على لسان بطله عبدالناصر الطلياني "الملامح الخليطة بين الأندلسيّة والتركية"، فكرة أن الحقيقة لها مصدر واحد هو الدولة، والدولة هي وزارة الداخلية في إشارة منه إلى تعرية الأنظمة العربية التي تتخذ من الأجهزة الأيديولوجية للسلطة بتعبير ألتوسير وسيلة للرّدع والحماية لها من الشعب الذي - مع الأسف- شعاره "الله ينصر من أصبح على الكرسي"، ويتوسّع منها إلى أنّ الدولة هي التي أنشأت الأحزاب الإسلامية، ورعتها بإعطائها مساحات عبر المساجد بغرض الدعوة، لكن العفريت خرج من القمقم وانفجر بين الجميع. وهي ذات الأفكار التي يُلصقها المصريون بالسّادات لضرب اليسار مثلما فعل حزب الدستور الاشتراكي لضرب اليسار والمنظمات النقابية في تونس.

الواقع بين مبضع السارد

الرّواية في مجملها تشريح للواقع الاجتماعي والسِّياسي إبّان أواخر حكم الحبيب بورقيبة الدكتاتور المريض كما كان السارد يصفه، إلى بدايات حُكم بن عليّ الذي أخذ يقبض على زمام الأمور حتى فاق أستاذه الذي علّمه السِّحر، في التنكيل بالمعارضة ومحاصرتها، كما تتطرّق الرِّواية إلى الحَراك السّياسيّ الطلّابي الثوري داخل الجامعات ومطالبته بالخبز والحرية والكرامة الوطنية، كما تكشف عن وعي طلابي لا يقلُّ عن مسار اتحاد الشغل في البحث عن هوية تونسية في ظل حالة تنامي التيارات الإسلامية وهذه الحركات كلها كانت منبثقة من تيار التحرُّر الذي أسّسه بورقيبة.

رواية جريئة وجرأتها في أنها تهتك أحلام اليسار في دفاعه عن الاشتراكية "المتوهمة"، وتفضح القادة

يمثّل هذا التيار عبدالناصر الطلياني في كلية الحقوق وزينة في كليّة الآداب، عَكَسَ هذا الحراك صِراعًا فكريًّا وأيديولوجيًّا بين عناصر المعارضة التي ذهبتْ فيما ذهبتْ إليه إلى تصفية زينة لمعارضتها لسياسات بعض المعارضة ومهاجمتها للإسلاميين، وهو الأمر الذي أُوكل إلى عبدالناصر للاضْطَلَاع به، الذي رفض حتى وقع في حبها، منذ لحظة الاحتماء من بطش رجال الأمن أثناء فضّ إحدى المظاهرات.

وفي ذات الوقت يُقدِّم الوجه الآخر للجامعة المتمثِّل في الفساد الأخلاقي والتحرُّش سواء من قبل المشرفين على تسكين الطلاب، أو من الأساتذة الذين يُشرفون على الطلاب في المرحلة الثالثة، وهو الأمر الذي انتهى بفاجعة زينة، لترحل إلى فرنسا وتكمل حياتها مع عجوز “إريك” أُعْجِبَ بها ذات مرّة.
كما تدين الرواية في أحد أوجهها الاختراقات التي كانت تَحْدُث في صفوف التنظيمات المعارضة سواء من قبل أجهزة الدولة الممثَّلة في أذرعها الشرطة أو من خلال التنظيمات ذاتها، التي تتجسّس على أعضائها، وتراقب تصرفاتهم فسي عثمان الضابط يخبر الطلياني بحكاية تركه فراشه لزينة عندما نامت في بيته، ويخبره أيضا عن الإفادة التي سرقها من الملف عندما كان في مركز الشرطة بعد القبض العشوائي عليه وعلى زينة.

العنوان الجامع لشخصيات العمل هو الإيمان بالثوريين وأفكارهم ثمّ الوقوع في فخ التناقض لهذه الأفكار التي قدّسوا أشخاصها، وهو ما يُفَسِّرُ عثرات الأبطال التي مُنيوا بها في الرِّواية، فعبدالناصر المُناضل أو الرّفيق المُناضِل بتعبير زينة يتحوّل إلى شخصٍ داجنٍ في الجريدة، يَقبلُ ما يَفْرِضُه الرقيب داخل الجريدة كممثل للحكومة في قصِّ ما لا يعجبه والتدخل بالحذف في ما لا يُرضي الجالس على الحُكم، إلى أن ينتهي به الحال للتربُّص والترَصُّد، كما حَدَثَ في يوم جنازة أبيه، فيهجم على الشّيخ عَلّالة الدرويش بالضرب، دون أن يَفهمَ أحد سببًا لذلك، وهو ما يكشف عنه في نهاية الرواية بمحاولة الاعتداء الجنسي عليه.

"الطلياني" رحلة في عوالم الجسد والبلد

وزينة صاحبة الأطروحات الفلسفية والسجالات التي كانت سببًا في إعجاب الطلياني بها ثمّ في مرحلة سابقة إريك مدير معهد البحوث الاجتماعية بفرنسا، في إحدى مداخلاتها أثناء محاضرته، وإعجاب أستاذتها المـُناقِشَة بها وشعورها بالفخر لمناقشاتها وإنْ كانتْ تَشعر بالحزن لأنّها لم تَدْرُسْ بين يديها، علاوة على إعجاب كلّ مَن عَرَفَها بمنطقها وحديثها وأفكارها، تسقط سقوطًا مدويًّا لاعتراض طريقها عثرة الأستاذ الذي أرسبها لأنه أراد ما بين فخذيها ورفضت، وقبلها تتخلّى عن أسرتها وعائلتها التي تقطن إحدى القرى البربرية الغارقة في الفقر. وبالمثل أبوالسعود الذي يعمل رقيبًا في الجريدة فهو في الأصل كان سجينًا سياسيًّا ثم صار أكثر ولاءً من الدستوريين أنفسهم، في إشارة لحزب الرئيس.

معاناة نساء بورقيبة

تمثّل شخصية زينة حجر الزاوية في فهم الواقع الاجتماعي والمتغيرات السّياسية في فترتين كلاهما امتداد للأخرى، فزينة الفتاة البربرية الجامحة التي كان جمالها يُغري "ممشوقة القوام كالرمح، وجه قمحيّ وضّاح" وذات الثقافة الواسعة التي ضربت المثل في التحدّي والصمود وهي الآتية من بيئة الشمال البربري، من أسرة فقيرة ومفكّكة اجتماعيا حيث أب سكير، وأخ عاطل وأم تعمل خادمة في بيوت الأغنياء، كان لها التأثير الكبير عليها وعندما فقدتها أعلنت أنها أمّ نفسها في إشارة قطعية لإنهاء علاقتها بالماضي تمامًا. هي نموذج للفتاة الطامحة والجميلة كما وصفها الطلياني سواء في تبنيها للأفكار التي تدعو إلى التغيير أو على مستوى الشخصية وقد كانت آفتها هذا الطموح، حتى أن الأب عندما استدعي في المؤسسة التربوية إثر مشكلتها مع المدير، يقول أنا لا أستطيع أن أفعل لها شيئا هي "ابنة بورقيبة الذي جعل النساء مُسْتَقْويات على الرجال والآباء والإخوة".

طموحها تجاوز أن تصبح معلمة في القرى البعيدة إلى أن تقبل الزّواج من الطلياني في صيغة تلفيقيّة للإقامة في العاصمة لاستكمال المرحلة الثالثة من شهادتها الجامعية، وهو ما أكّدته بأن الزواج ليس بصداق، ورفضها لإعلانه إلى آخرين به، وعندما سَافرَ الطلياني في العزاء قدمته على أنه صديق، وما أن عملت حتى تناست زوجها وبعد أن قبضت راتبها اهتمت بأناقتها وتناست زوجها الطلياني الذي كان يحبها، وهو ما قاده إلى صديقتها نجلاء المطلقة بسبب زواج فاشل من رجل عاجز وكونه “ابن أمه”، هذا الطموح كان سببًا في انهيار علاقتها تدريجيا بالطلياني حتى انفصلت عنه تمامًا، بل وارتضت لأن تكون غانية لإريك تطوف معه باريس وتركت ما كانت تحلم به. وهي النهاية الفاجعة لها، مثلما انتهت صديقتها نجلاء إلى غانية تُسرِّحها صاحبة الكوافير من مكان إلى آخر.

يعكس الكاتب من خلال السّرد ما عانته المرأة، رغم دعوات التحرُّر التي نالتها في عصر بورقيبة، فثمّة انتهاكات جسدية واقعة عليها رغم الدعاوى إلى التحرُّر والقوانين التي كانت في صالحها والتي صدرت في عهده، فتغتصب زينة من أحد أفراد عائلتها، وتتعرض لمحاولة التحرش من مدير المؤسسة التربوية، ثم من أستاذها، وللّا جنينة تتعرض للاغتصاب من صلاح.

لحظة تتويج المبخوت بالجائزة في معرض الكتاب بأبو ظبي

يعمد الراوي الذي يأخذ مواقع متعدِّدة وأوصافا هي الأخرى متعدِّدة، داخل بؤرة السَّرد، على جعل سَرده دائريًا حيث يبدأ الرِّواية وينهيها بمشهد اعتداء عبدالناصر على علّالة الدرويش أثناء مراسم دفن والده الحاج محمود، كما لا يسير السّارد في خط زمني واحد بل ثمة تداخلات زمانية تعود إلى الماضي لتكشف بعض النقاط في حياة الشخصيات كالعودة لعائلة زينة وحالة التحرش التي حدثت لها وتأثيرها عليها، وبالمثل عبدالناصر يسرد عن علاقته بللّا جنينة وبداية اكتشاف الجسد، وقد سبق اكتشافه الجسد اكتشاف غرفة أخيه صلاح والتعرُّف على الموسيقى، وبالمثل نجلاء وزواجها السابق وطلاقها، هكذا تتداخل الخيوط السَّردية التي يتحكُّم فيها راوٍ حاضر في السَّرد بصفته الصّديق الذي يَروى وبوصفه شاهدَ العيان تارة، وتارة هو راوٍ منفصل عن مروية يروي من بعيد، وتارة ثالثة هو حاضر قريب من المروي عنهم رغم أنه لا مبرّر لهذا الحضور والاقتراب، وهو ما أصاب القارئ بالارتباك.

يأتي النص في حوالي اثنتي عشرة وحدة سردية، ذات عناوين مستقلة في معظمها، تنحو إلى العنوان المجازي مثل (الزقاق الأخير، الدروب الملتوية، منحدرات، مسالك موحشة، طلاع الثنايا)، وفي بعضها الآخر تأتي كتلخيص لمحتوى الفصل (شعاب الذكريات، السّكة المغلقة، مفترق الطرق) في كثير منها تنقسم الوحدات إلى مقاطع صغيرة مرقمة تصل في أقصاها إلى 21 مقطعًا تتشكّل من جميعها الوحدة كما هو في الوحدة السّادسة المـُعنوَّنة بـ"طلّاع الثنايا"، وأصغرها الوحدة الأولى المعنوَّنة بـ"الزّقاق الأخير" وتتكوّن من مقطعين.

هذه رواية جريئة وجرأتها في أنّها تهتك أحلام اليسار في دفاعه عن الاشتراكية (المتوّهمة)، حيث زعماء اليسار والنقابيون الذين يُحملون على الاكتاف ويدغدغون الناس بالخطب الحماسية والبلاغية يعيشون في رغد وهناء كما قالت زينة للطلياني عندما زارته للمرة الثانية «مناضل طبقي وزعيم طلابي يأكل جراد البحر، ويعيش عيشة البورجوازية!".

15