أحلام الشباب تجارة مربحة لمراكز تعليم وهمية ممهورة بأختام "دولية"

مراكز منح الشهادات الدولية تتحول إلى ظاهرة ملحوظة اقترنت بالشباب الباحث عن إثبات ذاته بالقفز السريع، حتى وإن كانت بطرق مشكوك فيها وتخالف القانون.
الأحد 2018/10/14
حلول سهلة لمشاكل صعبة

انتشرت بعض المعاهد التعليمية المتاجرة بأحلام جيل اليوم الذي يشعر باليأس من ظروفه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلى حد الاستسلام أمام مراكز مجهولة وغير معتمدة، أملا في الحصول على شهادات، حتى لو كانت وهمية، تساعدهم على الهروب من أزمات الفقر والبطالة والتدهور الاجتماعي.

القاهرة – حذرت حكومة السويد عبر حساب تابع لها ناطق باللغة العربية على موقع “تويتر” مؤخرا، من استخدام أسماء جامعاتها ومعاهدها في عمليات الاحتيال على الشباب في دول عربية والترويج لمنح شهادات منسوبة لعدد منها.

وقبل نحو شهرين شغلت قضية تزوير شهادات عليا لعدد كبير من الشباب الكويتي باستخدام اسم جامعة مصرية الرأي العام، واعتبرها البعض قضية نصب خطيرة على الشباب في تاريخ جرائم الاحتيال.

ونجحت المعاهد والمراكز الوهمية في جذب الآلاف من الشباب في مصر ودول عربية، مستغلة رغبتهم في تحقيق طموحاتهم بأقصر الطرق العلمية.

وتلعب تلك المراكز على وتر وهم الشباب بضرورة اقتران كل شهادة جامعية بأخرى غربية لتضفي قوة تعليمية أو اجتماعية أمام الأقارب والأقران، وهو ما جعل أغلب تلك المعاهد تخلق حالة من التشويق بالزعم أنها تقدم شهادات دولية بأسعار منخفضة وشهادات موثقة.

ويعد تكرار الاحتيال باسم جامعات سويدية نموذجا للعشرات من الأمثلة التي نمت في العقد الماضي بشكل سريع، وتسببت في وقوع العديد من الشباب في فخ المتاجرة بأحلامهم وإقناعهم بالحصول على شهادات مميزة كالماجستير والدكتوراه، وهم في منازلهم أو مع حضور عدد صغير من الدورات والمحاضرات على الإنترنت والسهلة من أجل اجتياز المتطلبات، بذريعة الحصول في النهاية على شهادة أجنبية معتمدة.

وتحولت مراكز منح الشهادات الدولية إلى ظاهرة ملحوظة اقترنت بالشباب الباحث عن إثبات ذاته بالقفز السريع، حتى وإن كانت بطرق مشكوك فيها وتخالف القانون، لتحقيق أحلام البحث عن وظيفة بمرتب كبير أو الهجرة إلى إحدى الدول الغربية، بشهادة جامعية مرموقة أو كوجاهة اجتماعية مزيفة.

تطلق العشرات من المراكز الوهمية في مصر أسماء براقة باللغة الإنكليزية على نفسها، لتضفي نوعا من المصداقية وتعطي انطباعا بالعالمية، مثل مركز مانهاتن، ومعهد يورك، وتستخدم ثلاثة حروف مختصرة لتكون مرتبطة بهيئة عالمية يصعب فك رموزها مثل “أم.سي.واي” أو “أر.تي.أل”، وقدرة خاصة على بث إعلانات براقة وجذابة عبر صفحات لها على مواقع التواصل الاجتماعي تحمل شعارات تدغدغ أحلام الشباب وطموحاتهم، مثل “دبلوم جامعة لوباك طريقك إلى العمل بألمانيا”، “احصل على ماجستير من جامعة دولية بأرخص الأسعار وأقوى عروض العمل”، “هل سمعت عن الشهادة الدولية الأميركية.. وسيلتك للحصول على غرين كارد الأميركي؟”.

المعضلة أمام الشباب تكمن في غياب الرقابة الحكومية على المراكز التعليمية، والاكتفاء بالتأكد من صحة ترخيصها المهني

وتواصلت “العرب” مع إحدى الصفحات باسم مركز “بولتمر الدولي للدراسات العليا”، ويصل عدد متابعيها إلى أكثر من 50 ألف شخص، وادعت الصفحة قدرتها على الشراكة مع جامعات أميركية كبيرة وتزعم أنها تقدم عبر مركزها في حي شبرا (وسط القاهرة) شهادات “ميني ماجستير” أو ماجستير “مصغرة” في كافة العلوم.

وأجاب مسؤولو المركز عن معنى مصطلح “ميني ماجستير” وكيفية التقديم عليه؟ في تصريحات لـ”العرب” فقالوا إنه مقترن بعدد من المعاهد والمراكز المعتمدة في الولايات المتحدة، والمنهج عبارة عن مجموعة محاضرات مدتها ستة أشهر متصلة، يقدمها محاضرو المركز ويستطيع بعدها المتقدم الحصول على ماجستير في الإعلام من جامعة “بولتمر” الأميركية بعد اجتياز امتحان نهاية الدورة باللغة العربية، ولا يشترط الحصول على امتحان إجادة اللغة الإنكليزية. ويكون على الطالب دفع مبلغ 570 دولارا فقط مقابل تلك الخدمات المميزة.

لا خيارات بديلة

ومع بحث سريع على الإنترنت، تبين عدم وجود جامعة بهذا الاسم، ولا ذكر للمركز المصري في أي جهة تتبع الولايات المتحدة. ولم تقدم صفحات البحث المختلفة تعريفا لمصطلح أكاديمي باسم “ميني ماجستير”، مع التأكد من استحالة الحصول على ماجستير في العالم دون قضاء عام كامل على أقل بدوام حضور يومي.

وحملت تعليقات زوار صفحة المركز المجهول على فيسبوك تلهفا من الشباب، الذين يسألون المركز عن موعد التقديم وطبيعة الامتحانات وقوة الشهادات الممنوحة في توفير عمل بالخارج وتعزيز فرص الهجرة.

ويقول سمير السيد أحمد، حاصل على ليسانس آداب من جامعة القاهرة، وأحد الذين حصلوا على شهادة “ميني ماجستير” في علم النفس، إنه تبين عند الاطلاع عليها، من قبل المجلس الأعلى للجامعات، أنها مزورة، مشيرا إلى أنه تعرف على المركز عن طريق صديق حصل على شهادة الليسانس من جامعة كندية عبر المركز ذاته بعد أن أوهمه أنها الطريق الأسهل للحصول على الإقامة في إحدى الدول الأجنبية والعمل هناك.

وأضاف لـ”العرب” أن ما شجعه على استكمال الدراسة في المركز انخفاض أسعاره وسهولة المواد المقدمة، حتى أن المحاضرين قدموا الإجابات قبل دخول امتحان اجتياز الماجستير بأسبوع واحد.

ورغم توقع أحمد منذ البداية احتمال أن تكون تلك الشهادة غير معتمدة، لكنه قال “لم تكن أمامي فرصة الاختيار، أبحث عن وظيفة منذ أكثر من عامين بمرتب مجز ولا أجد، وتوفر تلك الشهادة جاء مناسبا لأحلامي التي أتمنى تحقيقها ولا أستطيع”.

وتعتبر جريمة خداع تلك المراكز والمعاهد للطلاب وإقدام الشباب عليها بكثافة، ذات علاقة مشتركة “ثنائية القطبين؛ لأن تلك المراكز تعد فسادا لتحقيق الأرباح بوسائل غير شرعية عن طريق دورات علمية مزيفة، ويشارك الشباب في خداع أنفسهم بالبحث عن وسائل سريعة، لا تتطلب الكثير من العناء للحصول على مؤهلات غير صحيحة”.

تواطؤ من الجيل الجديد للحصول على مكاسب مادية سريعة بأقل جهد
تواطؤ من الجيل الجديد للحصول على مكاسب مادية سريعة بأقل جهد

ويميل الكثير من الشباب إلى سياسة البحث عن الحلول السهلة والهروب من المشكلات الحياتية، والظروف الاقتصادية المعقدة واستفحال البطالة، بخلق حالة من الإنكار الذاتي تقوم على اختيار أقصر الطرق، وإن كانت عبر قنوات غير شرعية، بحجة تحقيق طموحاتهم الزائفة.  وهو ما يرجح إدراك الكثير من المتقدمين لتلك المراكز زيف شهاداتهم، لكنهم يستمرون في استكمال إجراءات التقدم ظنا منهم أنها قد تكون وسيلة لخداع أرباب العمل بعد ذلك.

وتقول سهير عبدالدايم، أستاذة علم الاجتماع بجامعة القاهرة، إن ظاهرة الشهادات غير المعتمدة ليست مقترنة بكونها جريمة تخالف القوانين، لكنها ذنب فرضه المجتمع الذي اختار طريق الاستسهال كنهج عام، بداية من طرق حل الشخص لمشاكله وحتى تعليمه وصحته وسكنه.

وتوضح عبدالدايم لـ“العرب” أن الجميع يشترك في تلك الظاهرة السلبية، بداية من المجتمع الذي لا يجد غضاضة في البحث عن مجد زائف لمجرد توثيق مظهر اجتماعي معين، والشاب الذي اختار عدم بذل الجهد لتحقيق أحلامه، والحكومة التي تركت المساحة لتلك المراكز للعمل بحرية دون رقابة عليها أو محاسبة.

رياء اجتماعي

رغم تنوع أهداف الإقبال على الشهادات، غير الموثقة من معاهد مجهولة، بين الرغبة في السفر والترقي في العمل أو البحث عن وظيفة وتحقيق الطموحات بأقصر الطرق، يختلف هدف أمجد مسعود، الذي تخرج من المعهد العالي للاتصالات، عن أهداف زملائه من المتقدمين، حيث اختار الحصول على شهادة ماجستير مزيفة في هندسة الاتصالات من جامعة تدعى “ويست بروك” الأميركية، وهي جامعة وهمية، لأجل الزواج من زميلته بالجامعة بعد أن رفض أهلها زواجه بسبب ضعف مؤهله الدراسي.

يشير مسعود لـ”العرب” إلى أنه كان عليه الاختيار بين خسارة الفتاة التي أحبها أو البحث عن وسيلة لتحسين سجله التعليمي، وأنه حاول الحصول على شهادات عليا من جامعات حكومية معتمدة، لكنه كان يصطدم كل مرة ببيروقراطية متطلبات التقديم وارتفاع أسعار الدورات.

وتابع “توصلت عن طريق إعلانات الإنترنت، إلى إحدى الشركات التي تعطي شهادة متخصصة، ووافقت على منحي الماجستير بالتقسيط ودفع مبلغ 500 دولار على مدار عام، كانت فرصة عظيمة، وبدأت الدراسة وبدا من الوهلة الأولى أنها دورة أقل من المستوى المتوقع، لا سيما بعد أن لاحظ الدارسون أن المناهج ضعيفة وغير متعمقة، كما أنه لا توجد معايير واضحة للتقييم، فضلا عن تدني مستوى المحاضرين”.

ورغم تشكك أغلب الحضور في زيف الدورة والشهادة، لكن معظمهم استكمل الدراسة وحصل على شهادة موقعة ومختومة باللغة الإنكليزية، وسواء كانت الشهادة مزورة أو حقيقية فالأمر لا يهم، فهي في النهاية منحت للشاب المزيد من المظهر الاجتماعي، ووفرت له الاحترام في أعين أسرته وأسرة زوجته.

وتتناسق قصة الشاب أمجد مسعود مع الكثير من الحالات التي اتخذت من تلك الشهادات واجهة تعكس التقدير العلمي للشخص الحاصل على الشهادة، خاصة الدكتوراه، التي تضفي لقبا جديدا يجاور اسم الحاصل عليها وتزيد من احترام الأقارب والأصدقاء دون أن يستطيع أحد كشفها.

وتتكرر تلك النماذج باستمرار دون خجل، ويرجع البعض أسباب تزايد تلك الظاهرة بين الشباب إلى غايتين، الأولى مرتبطة برغبتهم في تحقيق اعتزاز مزيف بالنفس لبلورة طموح يبدو أنهم عاجزون عن تحقيقه، مع الوضع الاقتصادي المتدهور والمستوى التعليمي المتدني.

أما الغاية الثانية فترتبط بأولياء الأمور والأسر الذين يسعدون بالمظهر البراق ويتناسون عدم صلاحية الشهادات غير المعتمدة، دون اهتمام بجودة التعليم نفسه، ومدى تأثيره على عقلية وتكوين ووجدان وشخصية الطالب.

ويرجع الكثير من الخبراء أسباب الظاهرة إلى منظور مجتمعي للتعليم وأهميته، وهي مسألة تعود جذورها إلى عقود طويلة أضحى فيها التعليم واجهة تتلخص في شهادة تعلق على جدران المنزل دون اهتمام بتحقيق تعليم أفضل ينتج شابا قادرا على الإصلاح.

وباتت مواجهة ظاهرة الشهادات المزيفة وإقبال الشباب عليها مقترنة بتجديد منظومة التعليم وقبلها إصلاح نظرة المجتمع إلى الشهادة العليا وارتباطها بالجهد للوصول إلى مكانة مرموقة تستحق الإشادة والتشجيع.

وظائف وهمية

لا يتوقف الاحتيال باستخراج شهادات عند المجال الأكاديمي فقط، لكنه يشمل الوظائف الوهمية أيضا. تتعدد قصص مراكز التأهيل إلى أعمال ووظائف معينة مع تكرر مكالمات رقم مجهول يحمل صوتا أنثويا عذبا يحيطه الكثير من الضجيج ليبدو نابعا من مركز اتصالات يعمل بجد. تسأل صاحبة الصوت بكل رقة وأدب الشاب عن سماعه بأحدث الدورات الدولية لتعلم مهارات التنمية البشرية ومهارات إدارة الحياة، ثم يعود ليسأل الصوت ذاته هل تحلم بأن تكون مرشدا نفسيا أو أخصائيا اجتماعيا أو مدرب قدرات وتنمية بشرية؟

التعليم واجهة تتلخص في شهادة تعلق على جدران المنزل دون اهتمام بتحقيق تعليم أفضل ينتج شابا قادرا على الإصلاح

إذا حاول الشاب التملص منها دعته بكل إخلاص إلى أن يأتي لحضور محاضرة واحدة مجانا ليتعرف على إمكانيات المركز المدعم من جهات حكومية أوروبية لتطوير المجتمع.

تعكس تلك المراكز نوعا من التسلق على أحلام الشباب المنهك والبائس. تختار فقدانه لأهلية العمل في مجاله، وتطلق عنانه بتغيير السلك الوظيفي بالكامل نحو مجال التنمية البشرية، الذي لا يحتاج إلى شهادة خاصة، لكنه يتطلب مهارات اجتماعية ولغة حماسية دافعية.

أضحت تلك ظاهرة مثيرة منذ نهاية التسعينات من القرن الماضي مع ظهور الراحل إبراهيم الفقي خبير التنمية البشرية، الذي نجح في غضون سنوات قليلة في تحقيق شهرة واسعة في مجال تنمية الذات والمهارات النفسية. وبدا الرجل قدوة للكثير من الشباب، لأنه لم يمتلك شهادة علمية جامعية تتيح له التحول إلى خبير في مجال تطوير مهارات البشر.

تسلمت الكثير من  المراكز بعده راية تدريس كيفية تعلم علم التنمية البشرية وأصبحت تنتج دفعات من شباب يسعى ليكون محاضرا وعالما بشهادات مجهولة ليقترن اسمه بلقب دكتور بلا علم  أو خبرة أو مهنة.

لم تتوقف الشهادات المزيفة عند وظائف التنمية، لكنها ارتبطت أيضا بدورات إعداد مدرسي اللغات وقادة المستقبل وبعض المتخصصين في علوم الإدارة وريادة الأعمال وإدارة المشروعات الصغيرة وغيرها من الوظائف التي ترتبط في ذهن الشباب بتحقيق مكاسب مادية سريعة بأقل جهد ممكن.

كل ما تطلبه تلك المدارس هو الانتظام في الحضور مع تحصيل مبالغ تتراوح ما بين 100 دولار وألف دولار ليحصل الشاب في النهاية على شهادات تحمل شعارات جامعات أجنبية، وتوقيع يصعب قراءته بالإنكليزية ومباركة بدخول سوق العمل كخبير متخصص لم يتعلم شيئا جديدا.

تبقى المعضلة أمام الشباب في غياب الرقابة الحكومية على المراكز التعليمية، والاكتفاء بالتأكد من صحة ترخيصها المهني، والذي يدرج ضمن مكان تعليمي يقدم خدمات دون النظر إلى طبيعتها أو مؤهلات مقدميها أو حتى ما يتم عرضه من مواد علمية.

مع كل أزمة يحملها مركز مجهول، تخرج الجهات الرسمية لتشجب وتدين تلك الأعمال وتؤكد عزمها دحر محاولات تزوير الشهادات العلمية، لكن تبقى تلك المراكز حاضرة بلا مساس، يدعمها الشباب المتلهفون، لتتغذى على أحلامهم بلا جهد واقعي لتحقيقها. 

19