أحلام اللبنانيين بالرفاهية تتعلق بألعاب الحظ

مل اللبنانيون من وعود السياسيين بالإصلاح الاقتصادي والاجتماعي وصارت الخطب لا تغنيهم من جوع ولا تحقق لهم أبسط آمالهم، فتعلقت أحلامهم بكرات اللوتو واليانصيب والبينغو والألعاب الإلكترونية، لعلها ترسم على وجوههم الفرحة وتملا جيوبهم مالا يحققون به ما حرموا منه.
الخميس 2017/05/25
الحظ لا يفرق بين الصغار والكبار

بيروت – يلجأ الكثير من اللبنانيين إلى ألعاب الحظ من أجل تغيير واقعهم وخلق واقع أفضل يحلمون به غالبا، لكنه يريحهم لفترة وجيزة من الضغوط الكبيرة التي يعاني منها معظمهم، في ظل الأزمات التي تتراكم في لبنان على كل الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ويعتبر البعض أن اليأس والإحباط من تغيير الواقع، يدفعان العديد من اللبنانيين وخاصة من تخطى منهم مرحلة الشباب إلى ألعاب الحظ، علها تكون الحلّ في ظلّ غياب مؤسسة الدولة الراعية لمواطنيها والحامية لهم.

الباحثون عن تحقيق الثروة ينشدونها في جميع الألعاب، في أوراق اليانصيب، أو في حك “التيكوتاك” أو في كرات اللوتو، أو في الألعاب الأخرى مثل “البينغو” و”الروليت” و”الجاكبوت” و”السلويت ماشين”، وكذلك محبو المراهنة على الخيول، وحتى ربات البيوت يبحثن عن نصيبهن داخل علبة مناديل أو في البرامج التلفزيونية أملا في الفوز بسيارة حديثة تزيدهن وجاهة بين نساء الحي.

دوافع اللعب

يقول فادي اليازجي المعالج النفسي وأستاذ الطب النفسي في الجامعة اللبنانية “تأخذ ألعاب الحظ بالنسبة إلى اللبنانيين شكلين اثنين؛ الأول طبيعي والثاني مرضي”.

لعبة النصيب تصيب أحيانا

وأضاف “لقد ساهم غياب دور مؤسسة الدولة بتحويل اللبناني إلى إنسان محبط، لا أمل له في المستقبل حيث نراه يكرر منذ عام 1975 (تاريخ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية) أنه لا توجد دولة في لبنان، فالدولة التي ينبغي أن توفر له الحماية والأمان لا تقوم بواجباتها، وخاصة على الصعيد الاقتصادي”.

وتابع “المطلوب أن يعيش الإنسان في لبنان بطريقة لائقة وهذا ما لا توفره الدولة اللبنانية لمواطنيها مما يسبب لهم نوعا من الإحباط الذي يسمى في الطب النفسي إحباطا طبيعيا، لأن له أسبابا مبررة وهي غياب الحماية، فيندفعون إلى ألعاب الحظ لمواجهة الإحباط بالأمل الذي يمكن أن تحمله لهم هذه الألعاب”.

وأردف قائلا “أما الشكل المرضي فهو ناتج عن الصدمات العاطفية والضغوط الكثيرة التي تتراكم على الإنسان، والتي لا يستطيع احتمالها فيفرز جهازه العصبي نواقل عصبية تصب في الدماغ وتؤثر على الأفكار الموجودة فيه، فتحدث اضطرابات نفسية كالقلق من المستقبل أو الخوف غير المبرر، أو الوسواس القهري، فيلجأ الإنسان إلى الميسر أو ألعاب الحظ، التي يأمل أن تغير واقعه وتنقله إلى عالم آخر خال من الضغوط والالتزامات، حتى لو كان عالما وهميا”.

ويرى بعض الباحثين أن فقدان الثقة بالذات وبالآخر، وفقدان الثقة بالمؤسسات، بالإضافة إلى فقدان مرجعية القانون والحق، وفقدان القدرة على المواجهة، والرغبة في الربح السريع قد تكون الدافع للجوء اللبنانيين إلى ألعاب الحظ. وقال الباحث الاجتماعي في الجامعة الأميركية يوسف خوري “إن الوضع الاقتصادي الضاغط قد يشكل السبب الأقوى الذي يدفع اللبنانيين للجوء إلى ألعاب الحظ إضافة إلى اهتزاز مبدأ بذل الجهد، والرغبة في الربح السريع، وانتشار النمط الاستهلاكي الذي يخلق الحاجات ويزيد تنوّعها، واحتمالات الشعور بالحرمان لعدم القدرة على إشباعها، فيلجأ الفرد إلى ألعاب الحظ بحثا عن وسيلة تسمح له بتقليد النمط الاستهلاكي”.

اللوتو حلم العائلة

قالت مشلين غطاس التي تعمل في مجال التجارة “أعمل أنا وزوجي ولكننا لم نتمكن من تحقيق طموحاتنا في الحياة، لذلك نلجأ كل أسبوع إلى اللوتو لعلنا نربح مبلغا كبيرا يغير حياتنا، إنه الطموح وهذا من طبع الإنسان”.

وقال سليم الذي يملك مكتبة في بيروت، خصصها لبيع أوراق “اللوتو” وأوراق “اليانصيب” إضافة إلى بيع الكتب، “إن الوضع الاقتصادي الضاغط وانخفاض الحد الأدنى للأجور في مقابل ارتفاع أسعار كافة السلع والخدمات في لبنان، هي الدافع الأساسي للبنانيين للجوء إلى ألعاب الحظ”

هوس وادمان

.

ولاحظ سليم الذي رفض ذكر اسمه كاملا أن “معظم اللبنانيين الذين يلجأون إلى ألعاب الحظ هم في العقد الخامس من العمر وما فوق، الذين فقدوا الأمل والقدرة على إحداث أي تغيير في واقعهم، أو الذين أقعدهم المرض عن متابعة الإنتاج ولا يحصلون على المساعدة الكافية من أبنائهم، بينما تنخفض نسبة الشبان الذين يلجأون إلى مثل هذه الألعاب”.

وقال سمير الموظف في إحدى الإدارات العامة، “منذ العشرات من السنين أشتري كل أسبوع اللوتو واليانصيب بمعدل 10 دولارات أملا في تغيير واقعي المزري، فأنا مجرد موظف لا يستطيع أن يسدد تكاليف العيش في هذا الوطن”.

وتابع سمير الذي أصبح على أبواب التقاعد، والذي رفض ذكر اسمه كاملا لاعتبارات خاصة “لقد أصبحت مدمنا على شرائها، فإن لم أشترها أشعر أني لست مرتاحا، فهي تعطيني الأمل، وأحلم لعدة أيام بأن كل شيء تغير، فأرتاح من همي أثناء الحلم، وإن كانت الراحة وهمية، ومع أني لم أربح ولو مرة حتى الآن، إلا أنني أعيد الكرة كل أسبوع”.

ولا يُعدّ الفوز في اللوتو واليانصيب حلم الفقراء فقط، بل هو فرصة إضافية للأغنياء لزيادة أرصدتهم المصرفية.

ويقول نوري البالغ من العمر 65 عاما والذي أمضى حياته عاملا يوميا، إنه يواصل لعبة اليانصيب فثمنها لا يعادل ثمن السندويتش، لكنها قد تمنحه مبلغا يؤمن به شيخوخته لأنه لم يتعود طيلة حياته أن يمد يده لأحد.

ويقول أحمد جابر “فزت في اللوتو مرتين في عام 2000 و2005 بمبلغ 200 مليون ليرة، واشتريت منزلا”، لكنه لم يكتف بهذا الربح، فهو لا يزال مثابرا على وسم اللوتو أسبوعيا، آملا في الفوز بالمزيد من المال على قاعدة “زيادة الخير… خير”.

ويجري السحب على اللوتو مرتين في الأسبوع، ما يشجع الناس أكثر على المشاركة فيتسمّر أمام التلفاز الثلاثاء والخميس من كل أسبوع الموظف والمدير والمالك والأجير والميسور والمحتاج، منتظرا أن يكون الرقم الذي تحمله ورقته هو الرقم الفائز.

ويمكن وسم اللوتو على شبكات الإنترنت عبر بطاقة الوسم المدفوعة سلفا أو بطاقات الاعتماد، كما يغزو اللوتو الهواتف الخلوية، بعد إطلاق الشركة للخدمة المدفوعة سلفا، وفي حال الفوز، يختار صاحب الحظ بين تسلم الجائزة مباشرة من إدارة اللوتو أو إضافتها إلى رصيده.

الحياة الوردية يمكن تحقيقها باللعب

الشباب والألعاب الإلكترونية

تنتشر صالات البينغو في بيروت التي يبدو في ظاهرها قاعات تسلية يرتادها الرجال والنساء، الكبار منهم والشباب.

وفي الداخل ترتفع آلة البينغو كي يتسنى لطالب الحظ رؤيتها، فيما تتوزع على أعمدة المكان أجهزة تلفزيونية، تنقل مباشرة دوران الكرات في الآلة، وتشرئب الأعناق وتحبس الأنفاس قبل أن يظهر الرقم الرابح فيصرخ الفائز “بينغو” ويربح الجائزة التي تتراوح بين 700 و800 ألف ليرة، وعند تطابق الأرقام أفقيا يصرخ “لاين”، ويربح من مئة إلى مئتي ألف ليرة، وتتوالى حسرات الخاسرين لتتجدد اللعبة كل سبع دقائق.

ويقول أحد اللاعبين الذين لا يغيبون عن لعبة البينغو إلا لماما “تجتذبني البينغو كالسحر، أخسر كثيرا لكنني أعود في اليوم الموالي طمعا في الربح خاصة وأنني أدفع مبالغ زهيدة”. وفي محال ضيقة مغلقة أبوابها طيلة ساعات العمل وسط بيروت وفي أحيائها، يجتمع الشباب على لعبة الفيديو بوكر.

يختار الشاب أيمن آلة من الآلات ليجلس إليها، ويصرخ “فيّشلي” أي أعطني “فيش”، وهو الاسم الذي يطلق على القطع البلاستيكية التي تمثل النقود في لعبة القمار على الطاولات.

ويأتي مسؤول المحل ويضع مفتاحا في الآلة يخوله كبس زر ليضيف المال إلى رصيد اللاعب. وحين يكبس أيمن الزر تظهر ورقة مغلقة على الشاشة، عليه أن يتكهن إن كانت أعلى من سبعة لتسمى “كبير”، أو أصغر من سبعة فتسمى “صغير”.

يقول أيمن “إذا استطعت أن أخمن تخمينا صائبا، يتضاعف ربحي ليبلغ أعلى قيمة ممكنة من الربح على هذه الـ(ماكينة)، وهي ‘تسكير مكنة’، أما إذا أخطأت فأخسر المبلغ الذي ربحته”.

وتتفاوت القيمة من آلة إلى أخرى بحسب قيمة رهانها، فالرهان يبدأ بـ250 ليرة، ويبلغ في آلات أخرى ألف ليرة.

وكلما طال وقوف أيمن أمام جهاز اللعب ازدادت عصبيته من الخسارة المتتالية، يقول أيمن إنه بدأ اللعب عندما كان في الخامسة عشرة من عمره، معترفا بأنه خسر أكثر مما ربح بكثير إلا أنه لا يستطيع أن يتوقف عن هذه اللعبة، مؤكدا أنه ليس مدمنا على القمار، ولكنه مدمن على الحظ، و”أتمنى لو يتغير حظي وأربح”. وصارت المراهنات الرياضة عبر الإنترنت وسيلة جديدة للمراهنين في لبنان، فقد استقطبت شركات المراهنة العالمية، وأهمها شركة “بلانيت وين” المراهنين اللبنانيين المولعين بالرياضة لأنها تتيح لهم أن يراهنوا يوميّا على المباريات الرياضية في أنحاء العالم وفي كل مجالات الرياضة ككرة المضرب وكرة السلة وسباق السيارات وغيرها.

فادي طالب جامعي يشرح كيفية المراهنة على موقع “بلانيت وين”، قائلا إنّ بعض المراهنين تمكنوا من إنشاء حسابات خاصة في الموقع الإلكتروني للشركة ويقومون بتزويد هذا الحساب بالعملة الصعبة لدفع ثمن الرهان الذي لا يتم إلا باليورو أو بالدولار.

ويقول فادي إنه يستغل مصروفه اليومي للعب على موقع “بلانيت وين” يساعده في ذلك إلمامه برياضة كرة السلة وكرة القدم في العالم، ويضيف أن أكثر مرة فاز بمئتي دولار ومرات الربح قليلة جدا.

وأكد أن اللبنانيين يقبلون على ألعاب الحظ تسلية وأملا في تغيير الواقع المادي الصعب، فلا بأس بشراء الأمل والاتكال على الحظ، عله يصيب ويساهم في خلق غد أفضل.

20